الأخبار
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تختتم أول هاكاثون عالمي للحوسبة الكمّية في دولة قطر جامعًا خبراء من سلسلة قيمة الحوسبة الكمية
- شهد البرنامج تعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة الدفاع وجامعة حمد بن خليفة ومجموعة بوسطن الاستشارية وكوانتيكس وثماني شركات عالمية من مجال الحوسبة الكمّية وأبرز الشركاء الصناعيون.
- النتائج تركز على تطبيق الأفكار المبتكرة وتقديم العروض التشغيلية الجاهزة والكفاءات المُدرّبة والخطط التجريبية التي تتماشى مع أجندة قطر الرقمية 2030.
اختتمت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مسابقة هاكاثون الحوسبة الكمّية- قطر 2025 في مبنى ذو المنارتين بالمدينة التعليمية بالدوحة، والتي تأتي تتويجًا لأول هاكاثون عالمي للحوسبة الكمّية في دولة قطر. وقد صُمم برنامج الفعاليات الممتد لأربعة أيام بهدف تحويل الأبحاث الواعدة إلى حلول قابلة للتجربة والتنفيذ لدى المؤسسات القطرية، بما يتماشى مع أجندة قطر الرقمية 2030.
وأُقيمت فعاليات الهاكاثون بتنظيم من مختبر تسمو للابتكار التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتحت رعاية وزارة الدفاع، وباستضافة الشريك الاستراتيجي جامعة حمد بن خليفة، وبدعم من مجموعة بوسطن الاستشارية وكوانتيكس بصفتهما شريكيّ المعرفة، وبدعم من شركة كوانتينيوم لتتحول من المرحلة الفنية (خلال اليومين الأول والثاني) إلى مرحلة التطبيق التجاري (خلال اليومين الثالث والرابع). وعملت الفرق المشاركة على تطوير نماذج أولية باستخدام منصاتٍ حية قدّمها مزودون عالميون لحلول الحوسبة الكمية، وتعاونوا مع مستثمرين وخبراء استشاريين لتقييم الجدوى الاقتصادية لحالات الاستخدام التي اعتمدوها، وتطوير نماذج أعمال مبتكرة تستطيع تطبيق المفاهيم وتحويلها إلى خطط واضحة.
وأسفر الهاكاثون عن توفير نماذج تشغيلية عملية في مجالات متعددة، بما فيها الكيمياء، وتعلّم الآلة، وتحسين العمليات، والتمويل، والمحاكاة العددية، إلى جانب تأهيل دفعة جديدة من الطلبة والمهندسين والباحثين، وتطوير أدلة عمل قابلة لإعادة الاستخدام لتحديد المشكلات وقياس الأداء وتنفيذ المشاريع.
وشهد البرنامج مشاركة مجموعة من أبرز الجهات في القطاع، بما فيها وزارة البيئة والتغير المناخي، والخطوط الجوية القطرية، ومصرف قطر الإسلامي، وشركة أريدُ، والوكالة الوطنية للأمن السيبراني، ومركز سدرة للطب، وبنك قطر للتنمية، وجهات أخرى، حيث تعاونوا بشكل مباشر مع الفرق لمواءمة الحلول وتوجيهها بما يتناسب مع الظروف التشغيلية، والبيانات المتوفرة، وسير العمل، ومتطلبات الأمان والحوكمة، بما يضمن الانتقال من وضع الأفكار الواعدة إلى التطبيق العملي وتلبية المعايير الوطنية.
واستقطب الهاكاثون اهتمامًا عالميًا واسعًا، حيث تلقّى 474 طلب مشاركة من 64 دولة وشارك في المسابقة 40 مشاركًا ضمن 8 فرق للعمل على حالات استخدام ذات أولوية بدعم من ثمانية شركاء عالميين، زودوا المشاركين بالتقنيات والأدوات المطلوبة، وهم أليس آند بوب، وAWS، وIBM، ومايكروسوفت، وكوانديلا، وكوانتينيوم، وكويبلي، وكوانتوم كومبيوتينغ إنك. وقد أتاحت منصاتهم وخبراؤهم للمشاركين اختبار أفكارهم المبتكرة في بُنى كمّية متنوعة، بما فيها cat-qubits، والموصلات الفائقة، والأيونات المحصورة، والفوتونات، والسيليكون، إضافةً إلى البُنى البرمجية الداعمة. واستفادت الفرق المشاركة من مزايا هذه المنصات في تطوير حلول باستخدام أحدث التقنيات الكمية المتاحة على مستوى العالم.
وتعليقًا على المبادرة، قالت السيدة إيمان الكواري، مدير إدارة الابتكار الرقمي في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: "من خلال مبادرات مثل هاكاثون الحوسبة الكمّية الذي تنظمه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عبر مختبر تسمو للابتكار، نعمل على إرساء مسارات منهجية لاستكشاف واعتماد التقنيات الناشئة بشكل مسؤول. ومن خلال جمع الأكاديميا والصناعة ومزوّدي التكنولوجيا العالميين في بيئة آمنة وتعاونية تتيح الوصول العملي إلى منصّات رائدة، نحول الاستخدامات عالية القيمة إلى خطط واضحة للانتقال نحو التنفيذ التجريبي في الدولة. ويعزز ذلك دور الوزارة كمنسّق وطني لتطوير التقنيات الناشئة، ويجسّد الدعم المتكامل لنمو منظومة الكم في قطر بما يتماشى مع أجندة قطر الرقمية 2030."

وعلق اللواء الركن زايد أحمد الكواري قائد سلاح الإشارة الأميري القطري: "نفخر في وزارة الدفاع القطرية برعاية أول هاكاثون للكمّ في دولة قطر، وهو حدث كشف عن مستويات متميزة من الإبداع والطموح لدى المبتكرين الشباب. إن ما قدمته الفرق المشاركة يعكس قدرة الكفاءات الوطنية على التعامل مع التقنيات الناشئة وتطوير حلول نوعية في مجال الحوسبة الكمية. وتؤكد وزارة الدفاع استمرارها في دعم المبادرات التي تسهم في تعزيز جاهزية الدولة التقنية وترسيخ مكانة قطر كدولة رائدة في هذا المجال المتقدم."
ومن جانبه، قال الدكتور سيف الكواري، الأستاذ المشارك في قسم تكنولوجيا المعلومات والحوسبة بجامعة حمد بن خليفة ومدير مركز قطر للحوسبة الكمية: "لقد جمعت مسابقة هاكاثون الحوسبة الكمّية قطر 2025، نخبة من أبرز العقول في مجتمع الحوسبة الكمّية لاستعراض كيف يمكن للحلول الكمية الناشئة ريادة الموجة التالية للتحول الرقمي في دولة قطر. ونحن في جامعة حمد بن خليفة، نلتزم ببناء بنية تحتية تعزز الابتكار وتدعم تحقيق هذه الأهداف مستقبلًا، من خلال تعزيز إجراء البحوث المؤثرة، ورعاية المواهب المتخصصة، والعمل مع شركائنا لتسريع نمو منظومة كمّية متكاملة داخل الدولة وخارجها."
وأوضح خوان فاسكيز، المديرُ المُفوَّض والشريكُ الأول في مجموعة بوسطن كونسلتينغ جروب، قائلًا: "لقد أظهر هاكاثون الحوسبة الكمّية في قطر 2025 حجم الإنجازات التي يمكن تحقيقها عندما تتكامل الخبرةُ العالمية مع الطموحِ الوطني نحو هدفٍ مشترك. على مدى الأيام الأربعة الماضية، تمكَّنت فرقُ العمل من الانتقال من مرحلة الاستكشاف النظري إلى ابتكار حلولٍ عمليةٍ مُبتكرة، وتصميم مساراتٍ تنفيذيةٍ متكاملة قابلةٍ للتطبيق بكفاءة لدى الجهات المعنية في الدولة. يُسهم هذا المسار العلمي المُتقدم في تسريع الجهود المبذولة لتنمية القدرات الوطنية، وتعزيز دور الحوسبة الكمّية في تحقيق أثرٍ اقتصادي ومجتمعي مستدام. نفخر في مجموعة بوسطن كونسلتينغ جروب بالمساهمة في بناء منظومةٍ متكاملة ترعى المواهب والكفاءات، وتسهم في الارتقاء بجاهزية المؤسسات، وترسيخ مكانة دولة قطر باعتبارها مركزًا إقليميًا رائدًا للتقنيات المتقدمة والابتكار."
وقالت الدكتورة إلفيرا شيشينينا، الشريك المؤسس ورئيس شركة كوانتيكس، "على مدى أربعة أيام مميزة، أصبحت قطر عاصمة عالمية للحوسبة الكمّية ومكانًا التقت فيه التقنيات المتنوعة مع تحديات واقعية من القطاع، وأظهرت كيف يمكن لكل تقنية أن تتألق عندما تُطبّق في السياق المناسب. لقد كان المشاركون في الهاكاثون استثنائيين ومبدعين ومتحمسين ومتفاعلين بشكل كبير، مما يمنحنا ثقة كاملة بأن مستقبل الحوسبة الكمّية في أيدٍ أمينة. نحن ممتنون بشدة لشركائنا والمنظمين المشاركين على شجاعتهم والتزامهم في طرح الحلول المبتكرة، ومشاركة الخبرات، وإلهام المواهب القادمة، والمساهمة في إبراز الإمكانات الهائلة التي ستجلبها تقنيات الحوسبة الكمّية لدولة قطر."
وقال زين حسين، مدير مكتب الرئيس التنفيذي في شركة كوانتينيوم، "تفتخر شركة كوانتينيوم بدعمها لفعالية هاكاثون الحوسبة الكمية الذي أقيم في قطر، وهو حدث عالمي يُسلّط الضوء على الزخم والطموح الهائلين لمنظومة الحوسبة الكميةّ الناشئة في البلاد. من المُلهم أن نرى الجيل القادم من المبتكرين الموهوبين في قطر يتقدمون للأمام، مُستعدّين لخوض غمار المنافسة وتجاوز حدود الممكن. إن التزامنا بالمساهمة في بناء وتنمية منظومة الحوسبة الكميّة في قطر أقوى من أي وقت مضى، وإظهار تنوع التحديات التي تُطرحها الشركات الوطنية الرائدة في هذا المجال وواقعيتها ومدى سرعة تطوّر هذا المجال. نُعرب عن امتناننا للمُنظّمين: وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزارة الدفاع، وجامعة حمد بن خليفة، وكوانت إكس، ومجموعة بوسطن الاستشارية – على دعمهم هذا المجتمع النابض بالحياة من المفكرين والبنّائين. نتطلع إلى النسخ القادمة وإلى مواصلة رحلة الابتكار هذه معًا."
واختُتم الهاكاثون بحفل توزيع الجوائز لتكريم المتأهلين والفرق الفائزة في المسارين التقني والتجاري. وحضر الحفل مجموعة من كبار المسؤولين الحكوميين والخبراء الدوليين في مجال الحوسبة الكمية، ثم أقيم حفل استقبال لتعزيز العلاقات الاجتماعية وتبادل المعرفة.
جمعت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركاؤها في هذا الهاكاثون الرائد بين الجهات الحكومية والأوساط الأكاديمية والمعنيين من القطاعات المتخصصة، لتقديم نموذج للابتكار المسؤول، مما أثمر عن كوادر مُدرّبة، وعروض عملية ناجحة، ومشاريع تجريبية واعدة تتمتع بالمعايير الكافية لتنفيذها لدى المؤسسات القطرية. ويمكن لهذه النتائج تنفيذ تطبيقات الحوسبة الكمية، وبناء القدرات السيادية، وتوفير قيمة عامة ملموسة وقابلة للقياس، مع ترسيخ مكانة قطر كمركز إقليمي لرعاية التقنيات الناشئة ودعم الابتكار.
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تختتم أول هاكاثون عالمي للحوسبة الكمّية في دولة قطر جامعًا خبراء من سلسلة قيمة الحوسبة الكمية
كلية السياسات العامة والرابطة الدولية للسياسات العامة تنظمان النسخة الثانية من المدرسة الشتوية الدولية
جامعة حمد بن خليفة تعقد الاجتماع الثاني للمجلس الاستشاري الصناعي والحكومي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة حمد بن خليفة يفتح باب التسجيل في البرنامج التدريبي الصيفي للبحوث
كلية القانون تستضيف محاضرة كلينتون فرانسيس السنوية لمناقشة المهنية القانونية في عصر الذكاء الاصطناعي
جامعة حمد بن خليفة تُصنف علم النفس الإسلامي كشريك أساسي في أنظمة الصحة النفسية
الرؤى
آداب الدعاء في قصص الأنبياء
هل تساءلت يومًا ما هو سر أولياء الله الصالحين في استجابة دعائهم؟
هل تريد أن تتعلم آداب الدعاء من أفضل أوليائه وصفوة خلقه، الأنبياء، سلام الله عليهم أجمعين؟
إن المتتبع للسرد القرآني لقصص الأنبياء يجد أنه لا يعلمنا العظات والعبر فقط، بل يخبرنا بقصص رسله وأوليائه، فيسرد علينا ابتلاءاتهم ويصف حالهم وكربهم، مما يؤكد بدوره على إنسانيتهم، وأنهم بشر مثلنا يصيبهم ما يصيبنا، وهم عرضة للمرض، وفقد الذرية، وفساد الأبناء، وغيرها من ابتلاءات المؤمنين.
فيا لها من تسلية لعباده الصالحين، إذ يخبرهم الله أن هذه سنته في صفوة خلقه، ثم يعلمنا من خلال قصصهم كيف كان حالهم في ابتهالهم إلى الله عز وجل في تلكم البلاءات، ويرسم لنا الطريق لنتبع نهجهم وسنتهم. هذه الأسطر ستأخذنا في رحلة تأملية في مختلف قصصهم في القرآن لنستقي منها نهج الأنبياء في الدعاء والابتهال لربهم، لنتعلم كيف كان أدبهم مع ربهم جل في علاه.
مكانة الدعاء في الإسلام
وقبل الشروع في ذلك، أود أن أعرج على مكانة الدعاء في الإسلام، إذ إنه من أعظم العبادات والشعائر، لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُم، إنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ) غافر: 60.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة".
المتفكر أيضًا في هذه العبادة العظيمة يجدها من أعظم نعم الله على عباده، إذ تُعين على نوائب الدهر وتصل المؤمنين بخالقهم مباشرة بلا حاجب ولا وسيط.
وكما أن لمخاطبة الملوك آدابًا يتأدب بها الطالب، فإن لمخاطبة ملك الملوك ورب الأرباب آدابًا يتلذذ بها المؤمن والداعي، واستقاء هذه الآداب ممن اصطفاهم الله هو من لبِّ التقرب إليه، إذ يقول جل جلاله: (أُو۟لَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ) الأنعام: 90.
يُعرِّف ابن حجر العسقلاني الدعاء بأنه "إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له". فهو "شفيع الحاجة ونجحها باللَّجاجة".
وللدعاء آداب أوردها العلماء، أشهرها: الإخلاص في الدعاء، والتذلل والافتقار لله، وعدم الاعتداء في الدعاء، لقوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) الأعراف: 55، فضلًا عن الطهارة، واستقبال القبلة، والبدء بالحمد والثناء، والختم بالصلاة على الحبيب المصطفى، ورفع اليدين نحو السماء، علاوة على الإلحاح على الله .
أما عن الآداب المستقاة من قصص أنبيائه أذكر منها بضعة أمثلةٍ أولها:
إن أول ما يعلمنا إياه سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أن الدعاء يصنع المعجزات، وأن من أولى آداب الدعاء توحيد الله عز وجل والامتثال لأوامره، إذ دعا ربه بعد أن ترك ذريته في وادٍ قفرٍ غير ذي زرع، قائلًا: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ) البقرة: 126.
قد أجاب الله دعاءه، فجعله حرمًا آمنًا، لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد، ولا يصطاد صيده، ثم أنبع فيه لذريته زمزم الجارية إلى يومنا هذا. كما أنه توسل إلى الله بعمله الصالح وإقامة أهله للصلاة، فقال في سورة إبراهيم: (رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) إبراهيم: 37.
يقال أنّ السائل عند كرماء العرب قديمًا كان يُذكّرهم بمآثرهم وفضائلهم ويستشهد بكرمهم السابق ليستميل نفوسهم للعطاء، فنجد هذا المعنى في استذكار الأنبياء صلوات ربي عليهم لمنة الله السابقة عليهم وإظهار عادات تفضله من قبل.
إذ يقول زكريا (لم أكن بدعائك رب شقيًا) مريم: 4، أي ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي من قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك فتعرّفني الإجابة، يقول القرطبي: إنك عودتني الإجابة فيما مضى فكان جواب الله عز وجل (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ) مريم: 7، ويقول نبي الله إبراهيم عند طلبه للذرية (وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا) مريم: 48، فأجابه الله عز وجل في نفس السورة، (وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).
ومما تعلّمناهُ من نبي الله زكريا أيضًا من آداب الدعاء وأسرار الاستجابة؛ دعاء الله عند رؤية نعمه على الغير وأفضاله عليهم إذ لما رأى رزق الله لمريم عليها السلام (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) آل عمران: 37، قال ابن عباس: وجد عندها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصّيف في الشتاء، وفاكهةَ الشتاء في الصيف. وكان هذا في عز أزمة أصابت بني إسرائيل. فلما علم زكريا أنه سبحانه القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه دعا ربه وسأله من فضله أيضًا (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (38) فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓائِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ (39)).
مر أنبياء الله بلحظات كرب وامتحان شديدة، فها هو نبي الله هود عليه السلام إذ كذبته عادٌ وآذته، ولم يجد ناصرًا، فالتجأ إلى جناب الحي القيوم وحقق تمام التوكل إذ لا ناصر إلا الله وأخبرهم أن يجتمعوا عليه جميعًا ليكيدوه، لذلك قال: (إنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ) هود: 56، فحري بنا إن كادنا كائد أو اجتمع علينا بلاء أن نتذكر أنه ما من دابة في الأرض إلا ربي آخذ بناصيتها. ما أعجبها من آية وما أعجبه من تعبير. فجاءه جواب ربه (وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) هود: 58، وانظر إلى التجائه عليه السلام لركن ربه الشديد إذ اجتمع عليه قومه وهموا بالسوء ولم يجد بدًا من وقوعه مع قلة حوله وقوته (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ) هود: 80.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد. قال ابن عباس: فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب) هود: 81.
وما ألطف ما علمنا نبي الله يوسف من تذكر لطف الله ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى إذ قال (وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ (101)) سورة يوسف.
ختامًا، هذه التأملات في قصص الأنبياء هي نداء لكل مؤمن طالب لقرب ربه، لاسيما مع اجتماع بركة الزمان وبركة الحال في رمضان من البر والتقوى، ونداء خاص لكل مبتلى وفي كرب أن يستذكر قدرة ربه وإعجازه، ويسأله بقديم كرمه ومنه، ويأوي إلى ركن ربه الشديد، فوالله إن فرجه لقريب.
هذا المقال من تأليف: فاطمة الحاج، مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز الدراسات الاجتماعية والقانونية بكلية الحقوق في أكسفورد، وخريجة برنامج ماجستير الآداب في الدراسات الإسلامية المعاصرة بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة.