الأخبار
محاضرة في كلية السياسات العامة تسلّط الضوء على ترابط الصحة العامة والدبلوماسية في أوقات النزاع
نظمت كلية السياسات العامة محاضرة ناقشت الدور المتنامي للدبلوماسية الصحية كأداة استراتيجية لتعزيز مبادرات الصحة العامة وضمان الوصول الإنساني في النزاعات المعاصرة.
وجاءت المحاضرة بعنوان "النزاعات المعاصرة: من الصحة العامة إلى الدبلوماسية"،وقدمت منظورًا نقديًا عن العلاقة المتداخلة بين الطب، والدبلوماسية، والأخلاقيات؛ لاستكشاف السبل التي تمكّن المجتمعات من الحفاظ على الحق العالمي في الصحة، في ظل النزاعات المستمرة وفترات السلم الهش. وشارك في المحاضرة كل من الدكتور كارل بلانشيه، مدير مركز جنيف للدراسات الإنسانية والأستاذ في كلية الطب بجامعة جنيف، ونخبة من الأكاديميين والخبراء في مجال السياسات العامة، والمختصين في القطاع الصحي، والطلبة.
كما تطرّق الدكتور بلانشيه إلى الآلية التي باتت تطمس بها النزاعات الحديثة الحدود بين الصحة العامة والدبلوماسية، وكشف عن الترابط بين الاستجابة الإنسانية، والحوكمة العالمية، والمفاوضات السياسية. وأشار في حديثه إلى الزيادة الملحوظة في استخدام الرعاية الصحية كسلاح، فضلًا عن تزايد الهجمات على العاملين في القطاع الصحي، والمستشفيات، وسيارات الإسعاف. كما استعرض أمثلة حقيقية من قطاع غزة، وأوكرانيا، والسودان، واليمن، وغيرها من الدول المتأثرة بالأزمات، للتأكيد على أن هذه النزاعات لم تعد تقتصر على الحدود الوطنية فحسب، بل أصبحت سببًا لكوارث صحية عالمية.
وأوضح الدكتور بلانشيه أيضًا أن مثل هذه الأزمات تُعدّ أنظمة معقدة من الانهيار الاجتماعي، حيث تتحول البنية التحتية الصحية، ومكافحة الأمراض، والوصول الإنساني إلى أدوات لفرض النفوذ والتفاوض. وفي هذا السياق، يمكن للدبلوماسية الصحية أن تؤدي دورًا استراتيجيًا وأخلاقيًا في مناطق النزاع، من خلال تسهيل وقف إطلاق النار لتطبيق حملات التطعيم، والتفاوض على الممرات الإنسانية، وتعزيز الثقة في التعاونات المتعددة الأطراف.
وتعليقًا على المحاضرة، قال الدكتور لوجان كوكران، الأستاذ والقائم بأعمال عميد كلية السياسات العامة في جامعة حمد بن خليفة: "لطالما تداخلت الصحة مع مجالات السياسة الخارجية، والأمن، والتنمية، والتجارة، الأمر الذي يوجب على صُنّاع السياسات اكتساب المهارات اللازمة لمناصرة قضايا الصحة بفاعلية ضمن أطر المفاوضات الدولية المعقدة. ولهذه المحاضرة أهمية كبيرة خاصة في منطقتنا، إذ تعكس رؤيتنا الرامية إلى تعزيز المعرفة والقيادة لمواجهة التحديات العابرة للحدود الوطنية."
كما تجسّد هذه المحاضرة دور الجامعة في إحداث أثر إيجابي في مجال السياسات العامة من خلال عقد الحوارات، ومناصرة القضايا، والمساهمات العلمية المتخصصة للتصدي للتحديات العالمية التي تمس الأمن الإنساني والتنمية المستدامة.
محاضرة في كلية السياسات العامة تسلّط الضوء على ترابط الصحة العامة والدبلوماسية في أوقات النزاع
جامعة حمد بن خليفة تناقش الحلول الفعَّالة للذكاء الاصطناعي لتصميم أنظمة طاقة مستدامة
جامعة حمد بن خليفة تستضيف الدورة الرياضية الخليجية الثانية لطالبات الجامعات ومؤسسات التعليم العالي
جامعة حمد بن خليفة تبحث وسائل الانتقال السلس إلى الطاقة الرقمية والمستدامة
جامعة حمد بن خليفة تنظم ورشة عمل لدراسة مراكز البيانات المرنة للمناطق القاحلة
الرؤى
العدالة والرأفة: إعادة صياغة الإفلاس من منظور إسلامي
في ظل النقاشات الحالية حول مشروع قانون الإفلاس في دولة قطر، برز مجددًا سؤال جوهري: هل يمكن لنظام الإفلاس أن يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والرحمة الأخلاقية؟ إن أسهل إجابة يمكن تقديمها هي ترجيح أحدهما على الآخر، أما الإجابة الأصعب والأكثر عمقًا، فهي ما تنص عليه التقاليد القانونية الإسلامية: يمكن التوفيق بين كليهما دون أي تعارض.
فمنذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، سعى الفقه الإسلامي إلى الموازنة بين العدل والرحمة في إطارٍ متكامل. ويُنظر في الإسلام إلى الدين بوصفه التزامًا جادًا، بل يكاد يكون أمرًا مقدسًا، فقد جاء الأمر الإلهي في أول سورة المائدة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (سورة المائدة، الآية 1)، بجعل الأمانة أساسًا للحياة التجارية. ويتبع هذا التكليف موازنة رحيمة ذكرت في سورة البقرة، تدعو إلى إمهال المعسر حتى ميسرة وتؤكد على أن العفو خير. وهذه الموازنة ليست مجرد بلاغة أدبية، بل هي بنية عملية لمعالجة الضيق المالي بطريقة لا تُهمل حقوق الدائنين ولا تسحق المدينين.
وقد حوّل الفقهاء المسلمون هذه القيم إلى آليات قانونية تماثل في جوهرها الأنظمة الحديثة. فمفهوما الإفلاس وحجر الممتلكات يؤديان وظائف تُشبه ما يعرف اليوم على أنه وقف تلقائي للإجراءات، وتصفية قضائية خاضعة للرقابة، وحماية المدين، إذ تهدف هذه الآليات إلى منع التنافس المدمر على الأصول، وضمان التوزيع العادل بين الدائنين، وصون الحد الأدنى من معيشة المدين وكرامته؛ أي باختصار، لم يفرض الفقه الإسلامي الاختيار بين النظام والرحمة، بل أوجب الجمع بينهما.
الركائز الثلاث لإطار معاصر متوافق مع الشريعة الإسلامية
التوقّع دون الجمود: تعتمد الأسواق الائتمانية على الوضوح، إذ يجب أن يعرف الدائنون سواء في الأنظمة التقليدية أو الإسلامية آليات التحقق من المطالب، وترتيب أولوياتها ومستحقاتها، وجدولها الزمني ومواعيد التسديد. ولا يتنافى استخدام الأنظمة الرقمية، والإجراءات الموحدة، والإدارة المهنية للإفلاس مع الأخلاق الإسلامية، بل يعد ذلك تجسيدًا معاصرًا للأمانة والعدالة الإجرائية. ويساهم النظام الواضح والشفاف في خفض تكلفة رأس المال وتوجيه الموارد نحو الاستخدامات الإنتاجية، بما يعود بالنفع على الأفراد والشركات على حد سواء.
الإنقاذ دون المخاطرة الأخلاقية: لا يُلغي نداء القرآن الكريم في سورة البقرة إلى إمهال المعسر لسداد الدين، بل يُضفي بُعدًا إنسانيًا على الإجراءات التنفيذية. فالمهلة هنا مؤقتة، تُمنح عند تحقق الضيق الحقيقي، وتُستكمل بإعادة هيكلة تحمي الأعمال القابلة للاستمرار، كما تتيح الإبراء عند الإخفاق الصادق بعد تعاون شفاف. ويضيف التمويل الإسلامي بعدًا مميزًا من خلال تصنيف الغارمين كمستحقين للزكاة. كما أن ربط مؤسسات الزكاة والأوقاف المُدارة بحوكمة رشيدة بالعمليات الرسمية يمكن أن يساهم في سداد الديون حسنة النية (عندما ينوي المدين بصدق سداد دينه، ولكنه لم يستطع الوفاء نظرًا لتعثر تجارته، وما إلى ذلك)، في حال ثبت أنه يمنع الإقصاء طويل الأمد ويعزز من إعادة الدمج الاقتصادي.
الفرص الثانية مع المساءلة: تفرّق المصادر الإسلامية بوضوح بين التعثر الأخلاقي والمخاطر التجارية. فالتحذيرات النبوية من "المفلس" تتوجه إلى من يظلم غيره عمدًا، لا إلى روّاد الأعمال الذين أخفقوا رغم اجتهادهم. وينبغي أن يعكس القانون الحديث هذا التمييز، فيردع الغش والإهمال بصرامة، دون أن يُوصم الإخفاق الصادق، إذ تساعد الملاذات الآمنة للمدراء الذين يتصرفون بحسن نية، وإعادة هيكلة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة التأهيل بعد الإفلاس، بما في ذلك التثقيف المالي والوصول إلى التمويل الصغير، في تحويل الانتكاسات المؤقتة إلى إنتاجية مستقبلية.
المراحل الثلاثة لإصلاح فعّال في نظام الإفلاس
ما قبل الإفلاس (التدخل المبكر والاستعداد): تشجيع التسويات الودية وخطط إعادة الهيكلة المسبقة، بدعم من مراكز وساطة متمكنة في قطاعات المرابحات، والاستصناع، والإجارة، والمشاركة. إذ يحافظ الحوار المبكر على قيمة المنشأة، ويحد من التقاضي، ويحترم الهياكل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. كما يساعد الإفصاح في الوقت المناسب وتبادل البيانات في اكتشاف بوادر التعثر في وقت مبكر، ما يتيح للأطراف التفاوض على اتفاقات مؤقتة تضمن استقرار الأعمال قبل الشروع ببدء الإجراءات الرسمية.
أثناء الإفلاس (الحماية المنظّمة وتحديد الأولويات بعدل): عند بدء الإجراءات، يُطبق وقف مؤقت ومدروس على غرار الحجر لتعليق التنفيذ الأحادي إلى حين تقييم الوضع وإعداد خطة مناسبة. ويُستثنى من ذلك ما يتعلق بالسلع القابلة للتلف، والمدفوعات الحيوية للموردين، والمصالح العامة الواضحة. كما ينبغي توضيح قواعد الأولوية بما يراعي الأمانة والثقة، مثل حماية أموال العملاء والحسابات المفصولة، وتحديد وضع حسابات الاستثمار بالمشاركة، ومنح المحاكم صلاحيات إبطال التحويلات التفضيلية أو الوهمية.
ما بعد الإفلاس (إعادة الدمج والتعلم المؤسسي): إنشاء قنوات إحالة من المحاكم إلى مؤسسات الزكاة والأوقاف في ظل حوكمة شفافة، واستخدام الأموال العامة والخاصة المخصصة لسداد الالتزامات المتبقية بعد التأكيد على أن ذلك سيعزز من عمليات إعادة الدمج ويقلل من تكلفة الرعاية الاجتماعية مستقبلًا. كما يستحسن نشر المخرجات دون الكشف عن الهوية، ومدة الإجراءات، ومعدلات الاسترداد لبناء قاعدة فقهية تُرشد التسعير وتدعم التحسين المستمر؛ فضلًا عن تخصيص هيئات قضائية متخصصة للتعامل مع القضايا المعقدة والعابرة للحدود وتحديد المدة الزمنية من خلال موازنة بين التكلفة والإنصاف.
لأجل دولة قطر وغيرها
يجب أن تضفي قوانين الإفلاس المتوافقة مع الشريعة الإسلامية روحًا تنافسية حقيقية، فريادة الأعمال تحتاج إلى فرصة ثانية بعد الإخفاق الصادق والنزيه. كما تحتاج الأسر إلى ضمانات تحفظ كراماتهم أثناء الأزمات، في حين يحتاج المستثمرون إلى عوائد متوقعة ومنصفة. وإن الجمع بين هذه الأهداف ضمن إطار إسلامي معياري يثمر عن نظام أصيل، ورحيم، وحديث في آنٍ واحد. ولا يكمن الهدف من ترسيخ هذا التوازن في التسوية بين مفاهيم "الكفاءة الغربية" و"القيم الإسلامية"، بل هو دمج للهياكل النظامية مع فضيلة الرحمة، حيث ستتسبب الرحمة دون وجود نظام في حدوث مخاطر أخلاقية، بينما يؤدي وضع النظام بلا رحمة إلى تآكل الثقة الاجتماعية التي يقوم عليها الاقتصاد. كما أن الجمع الكلاسيكي بين الإفلاس والحجر، وفقًا لتعاليم القرآن الكريم في الوفاء بالعقود والتيسير على المعسر، يقدم خيارًا ثالثًا، يقوم فيه نظام الإفلاس على التكامل بين تطبيق النظام والتعاطف مع المفلس.
ومع تطوير دولة قطر لمسودة قانون الإفلاس، فإن الفرصة المتاحة تفوق مجرد الامتثال للقوانين أو الكفاءة الإجرائية، فهي فرصة لبناء نموذج يُحقق توازنًا بين مصداقية حقوق الدائنين، وصون كرامة المدينين، وضمان الفرص الثانية الحقيقية والمشروطة. وسيلقي هذا القانون رواجًا في الأسواق الدولية مع تمسكه بالفقه الإسلامي، كما يبعث رسالة ثقافية واضحة مفادها أن الإخفاق النزيه والشفاف، لا يعني نهاية المشوار، بل هو أحد فصول المسؤولية والتجدد؛ فجوهر قانون الإفلاس هو الوفاء بالعهد الاجتماعي، أي أن نعد الدائنين بأن حقوقهم مصونة، ونعد المدينين بأن العسر المؤقت لن يحدد مصيرهم، ونعد مجتمعنا بأن النشاط التجاري سيتم تطبيقه ضمن منظومة أخلاقية تجمع بين العدالة والرحمة وتخدم الإنسان دون إسقاط المساءلة عنه.
* هذا المقال من تأليف محمد مصلح الدين مصعب، الباحث في مركز الاقتصاد والتمويل الإسلامي التابع لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة.