غالبًا ما يُوصف شهر رمضان بأنه شهر للعبادة، والامتنان، والتحام المجتمع. وفي علم النفس البشري، يعد أثره أمرًا ملموسًا للغاية؛ فهو مداخلة منظَّمة في آلية التنظيم الذاتي، تضع الفرد مرارًا في مواجهة رغباته وتُدرّبه على الإمعان فيها من منظور مختلف في كل مرة.
وتعمد الحياة الحديثة إلى تضخيم الرغبات، فعلى سبيل المثال، الأطعمة المصمَّمة "بطريقة تثير الشهية"، والتصفح اللانهائي المؤدي للإدمان، وثقافة الاستهلاك التي توحي لنا مرارًا بأننا على بُعد خطوة عن أفضل نسخة لأنفسنا من خلال القيام بعملية شراء واحدة فقط. ووفقًا لمصطلحات علم النفس، تعرف الرغبات الشهوانية على أنها الحوافز التي تدفعنا للاقتراب من المؤثرات التي تعدنا بالمتعة الفورية والتخلص من الضيق والانزعاج. ويكمن الاختلاف الأساسي بين الرغبات والاحتياجات في درجة الإلحاح الذي نشعر به؛ فالاحتياجات يمكن التخطيط لها وإشباعها بشكل ممنهج، أما الرغبات فهي من "يتولى زمام الأمور"، وتهيمن على الانتباه، وتدفعنا نحو المطالبة بمكافأة فورية.
ولا يعد هذا الاختلاف مجرد تحليل فلسفي دقيق، إذ يؤثر بشكل كبير على مستويات الصحة العامة والتنظيم الذاتي. ففي عام 2007 نشرت مجلة New England Journal of Medicine الطبية بحثًا أشار إلى أن الأسباب السلوكية مثل التدخين، وأنماط التغذية، واستخدام الكحول، وغيرها من السلوكيات عالية الخطورة، تتسبب في نحو 40% من الوفيات في الولايات المتحدة. وليس ذلك لأن البشر غير عقلانيين، بل لأن الرغبة فعّالة، فهي تجذب الانتباه، وتُقلص الذاكرة العاملة (حيث يتم تخزين المعلومات ومعالجتها لإتمام المهام الإدراكية)، وتبني مبررات مقنعة في تلك اللحظة.
وتظهر هذه الآلية نفسها من الناحية الطبية، إذ يمكن أن تنشأ الرغبة تلقائيًا عندما تقوم أنظمة معالجة المكافآت بمقارنة الإشارات الواردة مع الاحتياجات الداخلية وتاريخ التعلم، وغالبًا ما يحدث ذلك خارج نطاق الوعي. وعندما تجتاح الأفكار المتعلقة بالرغبة نطاق الوعي، فإنها غالبًا ما تُحفِّز التفصيل المعرفي (إعادة تشغيل الصور، والتخطيط، و"المحاكاة الذهنية")، الأمر الذي يتسبب في مزاحمة الأهداف المنافسة القابعة في الذاكرة العاملة ويعزز حالات الإلحاح في الرغبة. كما يمكن أن يعزز ذلك الاستدلال المُوجَّه الذي يبرّر الانغماس في الرغبة. وعندما تتعارض الرغبة مع قيم المرء، غالبًا ما تكون النتيجة عبارة عن صراع شدّ وجذب وتزعزع الاستقرار بين "نفسيّ" الإنسان.
النفس بوصفها نظامًا قابلًا للتدريب
في علم النفس الإسلامي، غالبًا ما يتم شرح نوازع النفس بلغة وظيفية وسلوكية، فهي تشمل الدوافع والسلوكيات التي يمكن تشكيلها، وتهذيبها، وضبطها بدلًا من إدانتها فحسب. وأهم ما في الأمر أن النفس تُعامَل على أنها قابلة للتشكيل والتدريب ولديها القدرة على أن تصبح "محمودة"، من خلال الاختيارات المتكررة، وبناء العادات، والجهد الأخلاقي. وتعكس التصنيفات الكلاسيكية هذا المسار التنموي: النفس التي تحث على الانغماس في الشهوات (النفس الأمّارة)، والنفس التي تلوم الذات (النفس اللوّامة)، والنفس التي تنعم بالسكينة والسلام (النفس المطمئنة).
ومن المنظور الطبي، فهذه ليست مجرد تسميات دينية؛ فهي تمثل أيضًا مراحل التنظيم الذاتي، من هيمنة الاندفاع، إلى البصيرة المصحوبة بالصراع، وصولًا إلى الاستقرار المتزايد. ويعد ذلك أمرًا طبيًا واجتماعيًا مهمًا؛ فضبط النفس ليس مجرد سمة شخصية، بل قدرة تتشكل وفقًا للبيئة، والعادات، والممارسات. ويقدّم علم النفس الإسلامي إطارًا عمليًا لهذه القدرة، فهو يصف النفس على أنها ميول سلوكية ذات دوافع متنافسة يمكن رعايتها وتنظيمها ذاتيًا بمرور الوقت. ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا: ما هي الممارسة المستدامة التي تُدرِّب التنظيم الذاتي بشكل موثوق في المجالات المتعددة؟
شهر رمضان بوصفه تعرّضًا متكررًا ووقاية من الاستجابة الفورية
من منظور التغيير السلوكي، يقدّم شهر رمضان أمورًا عظيمة. فهو يخلق تعرُّض يومي متكرر للإشارات ويربطها بالنية الراسخة المتمثلة في جملة: "ليس الآن"، ولهذا، فإن الصيام ليس مجرد امتناع، بل هو تثبيط زمني للاندفاع وتدريب لثلاث مهارات أساسية في التنظيم الذاتي:
- المراقبة الذاتية والتحكم في الانتباه: يجعل الصيام الرغبة أكثر وعيًا، فكثير من الرغبات تعمل عادة في الخفاء؛ ويجرها شهر رمضان إلى الوعي ويجبرنا على الاستجابة لها بشكل متعمد. وهذا في غاية الأهمية من الناحية النفسية، لأنه في اللحظة التي تستطيع فيها تحديد الدافع، يمكنك حينها اختيار هدف آخر بدلًا من إبداء ردة فعل تلقائية.
- التنظيم الداخلي عبر السلوك أولًا: تركز النماذج الإسلامية على إصلاح السلوك من خلال البدء بممارسة السلوك المرغوب فيه وبذل الجهد في البداية من أجل تدريب النفس على القيام به بشكل تلقائي. ومع مرور الوقت، يمكن للتعديل السلوكي المستمر أن يبدأ في تقليل وتقويض الأفكار التي تتشبث بالأنماط المدمّرة في المقام الأول. وبعبارة أخرى: غير سلوكك أولًا، ثم راقب كيف يُعاد تنظيم عالمك الداخلي.
- التثبيط المتبادل وتقبل عدم الارتياح: إن استبدال الأفعال المتضاربة مثل (الصلاة بدل التصفح، والذكر بدل إبداء رد الفعل، وتقديم الصدقة على الاستهلاك) يُضعف حلقات الاستجابة القديمة. كما يدرب شهر رمضان بشكل متكرر على الاستعداد لتقبل عدم الراحة وترك السعي الفوري للجوء إلى الراحة، وهو أمر جوهري لتغيير السلوك الدائم.
الحرية وليس الحرمان
التحكم في النفس تأييد للحرية وليس معاداة للمتعة، وهو أيضًا مثال فعلي للفرق بين اختيار عيش حياة طيبة أو الانجراف وراء الرغبات واللذات المندفعة. وفي عالم مُصمم لتحفيز الشهوات، يمنحنا شهر رمضان ميزة هيكلية نادرة، ألا وهي فترة تدريب جماعية محددة زمنيًا ترتكز على التنظيم الذاتي ومعزز بالغاية، والعبادة، والأعراف المتوافق عليها.
وبحلول الشهر الفضيل، يجب ألا تقتصر النية على الصوم فقط، بل العزم على "تسخير هذا الشهر لإعادة تدريب علاقتنا بالرغبات"؛ إذ تعيد هذه النية تحويل الصيام من امتثال للأمر فحسب إلى نهج يتماشى مع علم النفس الإسلامي وما تم إثباته من خلال العلم المعاصر؛ فلا شك أن تكرار كبح الرغبات استنادًا إلى القيم هو السبيل الصحيح نحو إرساء ضبط النفس.
* هذا المقال من تأليف الدكتور فهد حبيب خان، الأستاذ المساعد في علم النفس الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة.
* تنشر إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة هذا المقال بالنيابة عن مؤلفه، والأفكار والآراء الواردة فيه تعبر عنه ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.
أخبار مشابهة