الجهة: معهد قطر لبحوث الطب الحيوي
إن دعم الأفراد المصابين بمرض السكري في الصيام يتطلب نهجًا يجمع بين الصحة والروحانية على حد سواء

يُعد شهر رمضان شهرًا مقدسًا يزخر بالأجواء الروحانية، ويتمحور حول التأمل، والانضباط، والامتنان، والتعبد، والصوم من الفجر إلى المغرب. وبالنسبة للأشخاص المتعايشين مع مرض السكري، فإن الالتزام بالصيام يمثل التزامًا شخصيًا عميقًا وتكيّفًا فسيولوجيًا ملحوظًا في الوقت نفسه. إذ إن الامتناع اليومي عن الطعام والشراب، وتغيير مواعيد الوجبات، وأنماط النوم، ومستويات النشاط، كلها عوامل تؤثر في ضبط مستويات السكري بالدم. لذا يجب دعم الأفراد لتبني نهجًا آمنًا للصوم يوفق بين الحفاظ على صحتهم والأهمية الروحانية لهذا الشهر المبارك.

ويُعد مرض السكري حالة مرضية غير متجانسة، إذ يختلف الأفراد في حساسية الإنسولين، وتنظيم مستويات الجلوكوز، والمرونة الأيضية، والاستجابة للعلاج. وتقر الرعاية المتخصصة الحديثة بهذا التباين، ويتم تخصيص العلاج حسب التاريخ الطبي لكل مريض، وملف المخاطر لديه، ونمط حياته.

تقييم المخاطر الشخصية

يُشكل التقييم المنهجي للمخاطر ركيزة أساسية للصيام الآمن. وتوصي إرشادات أكاديمية دار، مبادرة تعاونية بين منظمة التحالف الدولي للسكري ورمضان والاتحاد الدولي للسكري (IDF-DAR)، بأن يخضع من يرغب في الصوم لفحص شامل قبل شهر رمضان للحد من خطر انخفاض أو ارتفاع نسبة السكر في الدم؛ ويفضل إجراء هذا الفحص قبل 6–8 أسابيع من بدء شهر رمضان المبارك، لتخصيص مزيد من الوقت لضبط نسبة السكر بالدم، ومراجعة الأدوية الموصوفة، وتقديم التثقيف المنظم.

كما يراعي تقييم المخاطر نوع السكري، ومدته، ومستويات التحكم الأخيرة لسكر الدم، وسجل حالات انخفاض السكر أو الاضطرابات الأيضية الشديدة، وأمراض مصاحبة مثل أمراض القلب، والأوعية الدموية، وأمراض الكلى، والحمل، والعمر، ونوع العلاج الموصوف لخفض مستوى الجلوكوز. وبناءً على هذه العوامل، يتم تصنيف الأفراد ضمن ثلاث فئات: المنخفضة، أو المتوسطة، أو الشديدة الخطورة وتقديم التعليمات والتوصيات السريرية اللازمة. وقد ينصح الأطباء الأفراد المصنفين ضمن الفئة الشديدة الخطورة بعدم الصوم، بينما يمكن للآخرين الصوم مع ضمان المراقبة الدقيقة وتنظيم العلاج بصورة مخصصة. ويدعم هذا النهج المنظم اتخاذ القرارات بشكل مشترك، لضمان الصوم بمسؤولية وبما يتماشى مع الأدلة الطبية والقيم الدينية.

المراقبة وتحسين العلاجات ودمج التكنولوجيا

تمتد الرعاية المتخصصة خلال شهر رمضان إلى ما بعد التقييم لتشمل المراقبة الفردية، ومراجعة الأدوية، وتخطيط التغذية، والاستفادة من التقدم التكنولوجي.

كما يوفر نظام المراقبة المستمرة للجلوكوز (CGM)، باستخدام أجهزة استشعار صغيرة توضع تحت الجلد، متابعة فورية لمستويات الجلوكوز في الدم على مدار اليوم وخلال ساعات الليل. ويتيح ذلك الكشف المبكر عن تقلبات الجلوكوز والتدخل في الوقت المناسب عند الحاجة أثناء الصيام. كما يساعد الوصول إلى بيانات الجلوكوز المستمرة الأفراد على فهم آلية استجابة أجسامهم لوجبات السحور والإفطار، مما يعزز الإدارة الآمنة للمرض. 

ويدعم الذكاء الاصطناعي هذه العملية من خلال تحديد أنماط واتجاهات الجلوكوز التي قد لا تكون ظاهرة على الفور. ومن خلال تحليل البيانات الطولية للجلوكوز، تساعد الأدوات الرقمية مقدمي الرعاية الصحية في تحسين الاستراتيجيات العلاجية وتعزيز الاستقرار العام لمستويات السكر في الدم.

وتعد التغذية عاملًا مهمًا أيضًا، فعندما يتم تناول السعرات الحرارية في ساعات محدودة يصبح التباين الفردي في الاستجابة للتغيرات في نسبة الجلوكوز بالدم أكثر وضوحًا. وتُظهر الدراسات أن الاستجابة للوجبات المتطابقة قد تختلف بشكل ملحوظ بين الأفراد. ويسمح دمج أنظمة مراقبة الجلوكوز مع التحليل المعتمد على البيانات بتقديم إرشادات غذائية مخصصة تقلل من ارتفاع نسبة الجلوكوز بعد الوجبات وتخفف العبء الأيضي خلال ساعات الصيام.

كما يُعد التحسين العلاجي بالأدوية أمرًا في غاية الأهمية، لأن مواءمة الجرعات وتوقيتها مع ساعات الصيام يساعد على تقليل انخفاض سكر الدم خلال النهار ويحد من ارتفاعه بعد وجبة الإفطار.

التطبيق المسؤول

وبالرغم من هذه التطورات، يظل التطبيق المسؤول لهذه المقترحات أمرًا أساسيًا. فقد تم تصميم الأدوات المعتمدة على البيانات والتقنيات الرقمية لدعم القرارات السريرية لا لاستبدالها. من خلال مساعدة الأطباء على التنبؤ بالتغيرات الأيضية، وتحسين الاستراتيجيات العلاجية، وتقليل المخاطر تدعم هذه النهوج الأشخاص المتعايشين مع مرض السكري في الحفاظ على استقرار نسبة السكر في الدم أثناء صوم رمضان. وفي الخلاصة، لا تقتصر هذه المقترحات على التحكم في العمليات الأيضية فحسب، بل تشمل أيضًا الحفاظ على الصحة، والرفاه، وتعزز جودة الحياة خلال هذا الشهر الفضيل.

 

* هذا المقال من تأليف نائلة العقل، الباحث الأول المشارك في مركز بحوث السكري التابع لمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة حمد بن خليفة.


فهم سكري الحمل: دليل للأمهات الحوامل

18 يناير 2026
لقراءة المزيد

علاج ندوب السمنة الأيضية

17 ديسمبر 2025
لقراءة المزيد

ما وراء الملصق: المخاطر الخفية للمكملات الغذائية

11 ديسمبر 2025
لقراءة المزيد

عندما تلتقي الخوارزميات بعلم الأورام: الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في علاج سرطان الثدي

10 ديسمبر 2025
لقراءة المزيد

من التشخيص إلى العلاج: كيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين رعاية مرضى سرطان الثدي

09 نوفمبر 2025
لقراءة المزيد

معهد قطر لبحوث الطب الحيوي يعزز الوعي العام باضطراب التوحد من خلال المبادرات البحثية والعمل المجتمعي

23 يونيو 2025
لقراءة المزيد

نحو مستقبل أفضل لرعاية ذوي التوحد: أهمية إشراك المجتمع وتعزيز البحث العلمي

29 أبريل 2025
لقراءة المزيد