إن التوحد هو حالة نمائية تخلق تحديات كبيرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، فضلًا عن السلوكيات النمطية المتكررة والمقاومة للتغيير. ويُعد التوحّد اضطرابًا طيفيًا يظهر بدرجات متفاوتة، وغالبًا ما تصاحبه مجموعة واسعة من الحالات الأخرى، مثل الإعاقة الذهنية، ومشاكل في الجهاز الهضمي، والصرع، واضطرابات النوم.
وفي ديننا الحنيف، يُفرض صوم شهر رمضان المبارك على من يتمتعون بالقدرة الجسدية والعقلية، في حين يُعفى المرضى، والأفراد المعرضين للمرض، وأولئك الذين قد يضر الصيام بصحتهم. ونظرًا لتفاوت أشكال ودرجات التوحد، فإن الأفراد الذين لا يتمتعون بالقدرة على الصيام ومن شخصّوا بالإعاقات المعرفية الكبيرة ولا يدركون مغزى الصيام، غير مُلزَمين بصيامه. وأما الأفراد الذين شخصوا بأعراض خفيفة للتوحّد وقادرون على الصيام دون ضرر فهم مُلزَمون بصيامه. وبالنسبة لهؤلاء الأفراد، قد تكون الممارسات الرمضانية صعبة وقد تتطلب دعمًا إضافيًا من الأسرة والمجتمع. ولكن وبالرغم مما سبق، فقد يعود الصيام بالعديد من المنافع.
التحديات التي يواجهونها
غالبًا ما يُحدث شهر رمضان تغييرات كبيرة في الروتين اليومي، ويشمل ذلك تغير أوقات الوجبات، ومواعيد النوم، وزيادة الأنشطة الدينية والاجتماعية. وبالنسبة للأشخاص من ذوي التوحد، قد تُثير هذه التغييرات المفاجئة القلق والإرهاق العاطفي. وقد يجد بعضهم صعوبة في التكيف مع الجوع، والعطش، والتعب، الأمر الذي قد يزيد من استجابتهم الحسية المفرطة ويُفاقم أعراضهم. وقد يواجه آخرون صعوبة في الإدراك أو التعبير عن شعورهم بعدم الارتياح، مما يزيد من خطر الإجهاد الجسدي أو النفسي. كما قد تصبح المساجد المزدحمة، والبيئات الصاخبة، والتجمعات الاجتماعية المتكررة أمورًا مرهقة، مما يجعل المشاركة في المناسبات التقليدية الرمضانية أمرًا صعبًا بشكل خاص.
استراتيجيات الدعم
غالبًا ما يجد الأشخاص من ذوي التوحد صعوبة في التكيف مع التغييرات المفاجئة في الروتين اليومي، لذا، يُنصح الأسر ومقدمي الرعاية ببدء الاستعدادات قبل أسابيع من رمضان لمنحهم مزيد من الوقت للتكيف. وقد تكون الاستراتيجيات التالية مفيدة:
- التعديلات التدريجية: تعديل الروتين اليومي، ومواعيد النوم، وأوقات الوجبات تدريجيًا لتتوافق مع الممارسات الرمضانية قبل بدء الشهر الفضيل.
- الطعام والتغذية: إدخال الأطعمة التقليدية أو غير المألوفة تدريجيًا، وإتاحة مزيدًا من الوقت للتكيف مع النكهات والقوام الجديدين لتقليل احتمالية رفض الطعام خلال رمضان.
- الإدارة الحسية: تخصيص مناطق هادئة وقليلة المحفزات في المنزل لتقليل القلق والضغط الحسي المرتبط بالتجمعات الاجتماعية وصلاة الجماعة.
وتبقى المرونة أمرًا أساسيًا لا بد منه، كما أن المراقبة المستمرة للصحة الجسدية والعاطفية أمرٌ في غاية الأهمية. ويجب التوقف عن الصيام في حال حدوث الاضطرابات الشديدة أو عند ظهور مخاوف صحية، لأن الحفاظ على السلامة والصحة مبدأ أساسي في التعاليم الإسلامية.
فوائد الصيام
أظهرت الدراسات السابقة عدة فوائد صحية للصيام المتقطع والتغذية المقيّدة بالوقت، وهي ممارسات مشابهة للصوم خلال شهر رمضان. وقد تكون هذه الفوائد مفيدة بشكل خاص لمن لديهم مشاكل في الجهاز الهضمي، ويعانون من الالتهابات، ويواجهون صعوبات في تنظيم مشاعرهم ومقاومة التغيرات في الروتين. وتشمل الفوائد المحتملة ما يلي:
- تحسين تنظيم الهضم والعمليات الأيضية
يعاني العديد من الأفراد المصابين بالتوحّد من مشاكل هضمية مثل عدم انتظام حركة الأمعاء، أو الانتفاخ، أو الحساسية تجاه بعض الأطعمة. وقد أبرزت الأبحاث أهمية العلاقة بين الأمعاء والدماغ، حيث يمكن لاضطرابات الأمعاء أن تؤثر على وظائف الدماغ والسلوك، خاصة في حالات التوحد. ويمكن للصيام أن يعزز راحة الجهاز الهضمي، ويقلل مقاومة الإنسولين، ويحسن الوظائف الأيضية، مما قد يؤدي إلى تعزيز صحة الجهاز الهضمي ونتائج سلوكية أفضل. - تقليل الالتهابات وتعزيز تجدد الخلايا
تشير الدراسات إلى أن الصيام يمكن أن يقلل الالتهابات في أجهزة الجسم المختلفة ويعزز عمليات تجدد الخلايا، بما في ذلك التخلص من الخلايا التالفة وإعادة تدويرها. ويترتب على ذلك تحسن الوظائف الخلوية العامة وقلة تراكم المواد الضارة، مما قد يدعم صحة الدماغ وتنظيم السلوك. - تعزيز ضبط النفس والسلوك التكيفي
قد يساعد الصيام في تنمية مهارات التنظيم الذاتي مثل الصبر، وضبط الاندفاع، والوعي العاطفي. كما يمكن أن يساهم في تقليل التعنت من خلال تشجيع التكيف مع الروتين ومواعيد وأنماط تناول الطعام الجديدة، مما يدعم تبني مرونة سلوكية أكبر. - الرفاه النفسي والشعور بالإنجاز
يمكن أن يعزز صوم شهر رمضان والمشاركة في الممارسات الدينية مشاعر الاندماج الأسري والمجتمعي وزيادة تقدير الذات والثقة بالنفس وقد يكون لذلك معنى خاص لدى الأفراد من ذوي التوحد الذين يقدّرون الشعور بالإنجاز، وقد يحفّزهم ذلك على تعلم مهارات جديدة تدعم نموهم واستقلاليتهم بشكل أكبر.
كما يتطلب الالتزام بالممارسات الرمضانية نهجًا مخصصًا يوازن بين الواجبات الدينية والرفاه الجسدي والنفسي. وبينما يخلق الصيام تحديات مميزة نتيجة التغييرات الروتينية، والتحديات الحسية، وصعوبات التواصل، فإن الاستعداد المناسب، والمرونة، ودعم الأسرة يمكن أن يساعد في التخفيف من حدة هذه التحديات. والأهم هو أن التعاليم الإسلامية تؤكد على الرحمة، والحفاظ على الصحة، وتتيح الإعفاء في حال تسبب الصيام بالضرر. وبالنسبة للأفراد من ذوي التوحد القادرين على الصيام بأمان، يمكن أن يلبي الشهر المبارك احتياجاتهم الروحية ويثمر عن فوائد صحية وسلوكية محتملة؛ وعليه، يمكن النظر إلى صوم رمضان على أنه ممارسة دينية سنوية قيّمة، تحمل في طياتها فرصًا لاستعادة الصحة الجسدية ودعمًا لتنمية المهارات والنمو الشخصي طويل الأمد.
* هذا المقال من تأليف الدكتورة عبير الشمري، العالم والأستاذ المساعد في مركز بحوث الاضطرابات العصبية التابع لمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة حمد بن خليفة.
أخبار مشابهة
عندما تلتقي الخوارزميات بعلم الأورام: الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في علاج سرطان الثدي