الجهة: كلية الدراسات الإسلامية
نعيمة حليم

يشير مفهوم "الماكدونالدية" الذي صاغه عالم الاجتماع جورج ريتزر إلى الانتشار العالمي لثقافة الوجبات السريعة التي تعطي الأولوية للكفاءة والقدرة على التنبؤ والتحكم. ولقد غيرت هذه الظاهرة عادات الاستهلاك الغذائي في جميع أنحاء العالم، كونها سهلة التحضير ومنخفضة التكلفة؛ ولكنها أدت أيضًا إلى توحيد الأطباق وضياع التنوع الثقافي الغذائي التقليدي في العديد من البلدان، لا سيما في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، كما أدى ظهور سلاسل مطاعم الوجبات السريعة إلى إضفاء طابع تجاري على بعض الشعائر المقدسة، بما في ذلك شهر رمضان المبارك، الأمر الذي أدى إلى تغيير الطريقة التي يمارس فيها الناس شعائر هذا الشهر الكريم من صيام، وصلاة، واعتكاف.

وفي جميع أرجاء العالم الإسلامي، لطالما تميز شهر رمضان في الماضي بالوجبات المنزلية البسيطة، وفترات مخصصة للتعبد والتأمل، ومظاهر تعكس التضامن الاجتماعي؛ ولكن، أضفت العولمة لمسة جديدة على هذه الشعائر، من خلال دمج الشعائر الدينية التقليدية والثقافة الاستهلاكية. كما أضفى الطابع التجاري بعض التغييرات الروحانية والمادية على شهر رمضان، فقد باتت الأجواء الاحتفالية للشهر تروج بشكل متزايد للتسوق، وارتياد المطاعم، والتلذذ بأشهى المأكولات، فضلًا عن استبدال الأطعمة المنزلية التقليدية بوجبات موحدة، ومحددة، وسهلة التحضير نتيجة التأثير المتزايد لسلاسل مطاعم الوجبات السريعة العالمية.

ففي تركيا على سبيل المثال، لطالما كان شهر رمضان وقتًا لتنظيم الإفطارات الجماعية البسيطة وتحضير الوجبات المنزلية؛ ولكن، ساهمت المهرجانات الرمضانية التي تنظمها البلديات المحلية، والمراكز التجارية، والفنادق الراقية على شكل "بوفيه مفتوح" ومآدب إفطار فاخرة في إضفاء طابع عالمي على هذا الشهر المبارك. وباتت تتمحور هذه الاحتفالات بشكل أساسي حول العادات والطقوس العثمانية القديمة، والتي لا تقتصر على إحياء الحنين الثقافي والاعتزاز بالهوية القومية فحسب، بل تعزز مظاهر الترف، والفخامة، والتفرد؛ إضافة إلى جعل شهر رمضان الفضيل شهرًا لتسويق وترويج السلع.

وفي حين أن التسويق التجاري يساعد على إنعاش الاقتصاد، إلا أنه يقلل من التركيز على الشعائر الروحانية ويدعو للانغماس في الملذات والترف، الأمر الذي يتناقض مع البساطة التقليدية وزهد هذا الشهر المبارك. كما أن التوجه المتزايد نحو تنظيم “البوفيه المفتوح" والموائد الرمضانية الباذخة، يساهم في دفع الناس لتناول كميات مهولة من الطعام، فضلًا عن حثهم على تفضيل الوجبات السريعة على الوجبات المنزلية كما كان عليه الحال سابقًا. ويساهم التسويق التجاري في تعزيز الفروق الاجتماعية من خلال جعل هذه الوجبات الفخمة في متناول الطبقات الميسورة فقط. ورغم كل ما سبق، يجادل البعض بأن هذا التفاعل بين العناصر العالمية والمحلية يسمح بتطور الممارسات الثقافية، وجعلها جزء لا يتجزأ من الثقافة الاستهلاكية الحديثة التي تتسم بطابعها التجاري، علاوة على حفاظها على المصالح السياسية والاجتماعية للحكومات والشركات المحلية على حد سواء.

وعلى غرار سابقتها، تتميز بداية شهر رمضان في ماليزيا بتنظيم البازارات و"بوفيه الإفطار المفتوح"، اللذان عادة ما يجذبان حشودًا كبيرة. كما تقدم هذه الفعاليات أصنافًا متنوعة من الطعام، مما يخلق بيئة احتفالية يسودها البذخ. وفي حين أن هذا الأمر قد يعود بالنفع على الاقتصاد من خلال تعظيم أرباح الشركات، إلا أنه يساهم أيضًا في إهدار الطعام والإفراط في تناوله. وأصبحت مشكلة الاستهلاك المفرط للطعام، وخاصة الوجبات السريعة، تشكل مصدر قلق متزايد، حيث تتضمن هذه الفعاليات تقديم كميات كبيرة من الطعام، يصعب إتمامها في كثير من الأحيان. وعلاوة على اتسام هذه الفعاليات بالإسراف في تناول الطعام وهدره، فإنها تعكس أيضًا تناقضًا ملحوظًا مع الجانب الروحاني لشهر رمضان الكريم، الذي يدعو للاعتدال والانضباط الذاتي. كما يساهم الانتشار المتزايد لاستهلاك الوجبات السريعة خلال شهر رمضان في ارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة، مثل: السمنة ومرض السكري، فعلى الرغم من أن الوجبات السريعة توفر سبل الراحة، إلا أنها تعيق التمسك بالعادات الغذائية التقليدية والتراث الثقافي في المجتمعات الإسلامية، خاصة خلال شهر رمضان.

وعلاوة على ما سبق، فإن عولمة شهر رمضان عادة ما تعزز الروابط المجتمعية في بعض المجتمعات الإسلامية. ففي إندونيسيا مثلًا، ولا سيما في المجتمعات الريفية، تُظهر عادات الأكل اليومية في إندونيسيا تحولًا من الاستهلاك الفردي إلى الاستهلاك الجماعي خلال شهر رمضان. ففي السابق، كان القرويون يفضلون تناول الطعام بمفردهم، وربما يرجع ذلك إلى ندرة الطعام حينها، إذ يتم تناول الوجبات بسرعة دون مشاركتها مع الأهل والجيران. إلا أن هذه العادات تتغير في شهر رمضان، ليصبح تناول الطعام نشاطًا اجتماعيًا مهمًا، يجتمع فيه الكل لتناول وجبة الإفطار معًا. ويتجلى الجانب الإيجابي للعولمة في هذا التحول، فمع تغلغل الكثير من الممارسات العالمية في التقاليد المحلية، تعمل هذه الوجبات المشتركة على تعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ الشعور بالانتماء للمجتمع المحلي.

وعلى ذكر بعض التقاليد الرمضانية الراسخة، يُعد الإفطار الجماعي من أبرز العادات المشتركة بين دول العالم الإسلامي، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التواصل العالمية في تنظيم هذه الفعاليات على نطاق أوسع. وتعدّ مبادرة "نشر الابتسامة" في لاهور بباكستان، مثالًا بارزًا على ذلك، حيث ينظم الشباب والمتطوعون إفطارات جماعية على الطرقات، فضلًا عن توزيعهم الوجبات على دور الأيتام والمسنين. وفي حين تركز النظرية "المكدونالدية" على الكفاءة، والتنبؤ، والقابلية للقياس، والتحكم، فإن استخدام منصات التواصل الاجتماعي في تنظيم الإفطارات الجماعية قد سهّل عملية حشد المتطوعين، وجمع التبرعات، ونشر الوعي حول أهمية الصدقة خلال شهر رمضان. كما أن مشاركة الشباب، لا سيما من الفئات الميسورة في المجتمع، ساعد بشكل كبير في تأسيس حملات خيرية أكثر تنظيمًا وانتشارًا، وقد تساهم الشهرة العالمية لهذه الفعاليات في إلهام الدول الأخرى لتبني ممارسات مماثلة، الأمر الذي يعزز مبادئ الكرم والجود والتكافل الاجتماعي في العديد من الدول.

وعلى نفس الخطى، يُعد الإفطار الجماعي المستدام والخالي من النفايات في دولة قطر، والذي يتم تنظيمه في المدينة التعليمية، مبادرة نموذجية تجمع بين جهود الاستدامة الحديثة والتقاليد الرمضانية. ويُنظم هذا الحدث سنويًا خلال شهر رمضان من قبل مؤسسة قطر ومؤسسات محلية أخرى، للتأكيد على الالتزام بالمسؤولية البيئية من خلال الترويج لإفطار مستدام دون نفايات، والتشجيع على إعادة التدوير، والحد من هدر الطعام، وتعزيز الوعي بأهمية الاستدامة في شهر رمضان الكريم.

وجدير بالذكر أنه بينما تم تسليط الضوء على مبادرات الإفطار الجماعية المتواضعة في هذه الدول المذكورة أعلاه، إلا أنه لا يمكن إنكار حقيقة أن موائد الإفطار الفاخرة تُعد أيضًا جزءًا مهمًا من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، وأن الإفطارات الخيرية والمستدامة تمثل جانبًا واحدًا فقط من جوانب الممارسات الرمضانية، والتي تختلف بشكل كبير وفقًا للموقع الجغرافي والعادات الاجتماعية.

ويتأرجح تأثير العولمة والماكدونالدية على الشعائر الرمضانية بين الإيجابية والسلبية. فعلى الرغم من أن التسويق التجاري قد طغى إلى حد ما على القيم الروحانية، إلا أن العولمة قد ساهمت أيضًا في تعزيز العمل الخيري، والمجتمعي، وترسيخ أواصر التواصل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن الطابع العالمي للإسلام يسبق العولمة الحديثة، إذ لطالما تجاوزت ممارسات رمضان الحدود الجغرافية والاختلافات الثقافية، وستظل الشعائر الأساسية لهذا الشهر المبارك راسخة في جميع أنحاء العالم رغم التأثيرات المعاصرة. وفي الختام، فإن الانتشار العالمي لرمضان يعكس الطبيعة العالمية المتجذرة للإسلام، عوضًا عن معدلات الاستهلاك الحديثة.

*هذا المقال من تأليف نعيمة حليم، طالبة دكتوراه في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة.

* تنشر إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة هذا المقال بالنيابة عن مؤلفته، والأفكار والآراء الواردة فيه تعبر عن الكاتبة ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة. 


ضبط النفس في زمن التشتت: كيف يعيد رمضان التوازن لحياتنا؟

18 فبراير 2026
لقراءة المزيد

العدالة والرأفة: إعادة صياغة الإفلاس من منظور إسلامي

26 يناير 2026
لقراءة المزيد

الخوارزمية الذاتية: تأملات في تبعات الإتقان الرقمي

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

الموازنة بين الإيمان والتكنولوجيا والترابط العائلي: الأسرة في عصر الشاشات الرقمية

25 أغسطس 2025
لقراءة المزيد

الأخلاقيات الإسلامية لمكافحة الجرائم المالية

22 يوليو 2025
لقراءة المزيد

الشهور العربيّة؛ أسماؤها ومعانيها

25 يونيو 2025
لقراءة المزيد

الحق في ممارسة الشعائر الدينية: نحو آفاق إسلامية " أكثر شمولًا"

29 أبريل 2025
لقراءة المزيد