دعوات لمناهضة الاستعمار المعرفي والصور النمطية التي تقلّل من إسهامات العرب والمسلمين في التاريخ الفكري

الجهة: كلية الدراسات الإسلامية
إحدى المخطوطات الإسلامية

على مدى قرون، نُقلت المخطوطات الإسلامية، التي تناقش مجالات اللاهوت، والفلسفة، والطب، والرياضيات، وعلم الفلك، والفنون إلى خارج أوطانها، فقد تم اقتلاع العديد من هذه الأعمال من موطنها الأصلي بسبب الاستعمار، أو تجارة المقتنيات الأثرية، أو جمع الكتب، وتكديسها اليوم في مؤسسات غربية مثل المكتبة البريطانية والمكتبة الوطنية الفرنسية. ورغم أن حفظها في هذه المؤسسات ساهم في المحافظة عليها وإتاحتها لشريحة محددة من الباحثين، إلا أن غيابها عن العالمين العربي والإسلامي خلق فجوة ثقافية وفكرية قطعت أواصر الصلة بين الباحثين المحليين وتراثهم الفكري. ولن تقتصر استعادة المخطوطات على إعادة الملكية الثقافية فحسب، بل ستُعيد دمج التقاليد الفكرية العربية والإسلامية في النقاشات المعاصرة حول العلوم، والفلسفة، والفنون، والعلوم الإنسانية.

فعلى سبيل المثال، "مقامات الحريري"، وهي مخطوطة عربية عباسية مزخرفة من العراق تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر وتحفة من روائع فن المنمنمات العربية من مدرسة عتيقة طمستها لاحقًا المدارس الفارسية، والمغولية، والعثمانية. ونُقلت هذه المخطوطة من موطنها الأصلي إلى المكتبة البريطانية، وهي مؤسسة تضم قرابة 15 ألف مخطوطة إسلامية، مما يجعلها من أغنى المجموعات العالمية. كما تحتفظ مؤسسات أخرى مثل المكتبة الوطنية الفرنسية والمكتبة الوطنية النمساوية بنسخ لاحقة من المقامات.

وعلى الرغم من أن التمسك بهذه المخطوطات الفنية يضمن سلامتها، إلا أنها تظل بعيدة عن متناول جمهور واسع من الباحثين، والفنانين، والمثقفين. ويعد الانفصال الشديد بين الشعوب وإرثها الفني أحد الأمثلة على العواقب المترتبة على اقتناء هذه المخطوطات. وفي هذا الصدد، يُثار التساؤل حول ماذا سيحدث لو تم الاحتفاء بهذه المخطوطة ومحتواها الأدبي في مدينة بغداد، أو حلب، أو دمشق، أو القاهرة؟ فهذه هي المدن التي تدور فيها الأحداث؛ ألن تعود لتكون جزءًا من القاموس البصري الفني؟ ألن تُلهم الفنانين لتحويلها إلى أشكال إبداعية متنوعة، سواء كانت كلاسيكية، أو شعبية، أو معاصرة؟

وتتسم مجموعات المخطوطات الإسلامية المحفوظة في المؤسسات الغربية باتساعها الكبير، ويكاد يكون حصرها أمرًا مستحيلًا، إذ تضم مؤلفات علمية، ومخطوطات فلكية ورياضية، ودواوين شعر، وكتب تاريخ، ومنمنمات. وتُعد "المقامات" إحدى الأمثلة العديدة على هذه المجالات المتنوعة، والتي تتضمن: كتاب الدرياق (الترياق)، وهو مخطوطة عربية مزخرفة من الموصل تعود إلى القرن الثالث عشر، وسلسلة كتب "كليلة ودمنة"، وهي مجموعة من الحكايات الأسطورية. 

مبررات استعادة المخطوطات

تجسّد المخطوطات الإسلامية قرونًا من التفاعل مع المعارف اليونانية، والهندية، والفارسية؛ فضلًا عن إسهاماتها الأصيلة في مجالات الفنون، والطب، والعلوم، وغيرها. وستُمكن إعادتها لأوطانها الباحثين والمؤسسات المحلية من التعامل المباشر مع هذه المصادر الأولية بدلًا من الاعتماد الحصري على النسخ الرقمية، أو الترجمات، أو الإصدارات التي أعدّها باحثون غربيون. كما ستُعيد التئام ما انقسم بين المجتمعات العلمية السابقة والحالية وستؤكد أن الحضارات العربية والإسلامية لم تؤدِ دور المتلقي، بل ساهمت بفاعلية في تشكيل التاريخ الفكري العالمي.

وقد أتاح الاستحواذ الاستعماري على المخطوطات الإسلامية للباحثين الغربيين فرص دراستها، وترجمتها، ونشرها ضمن وجهات نظر أوروبية، صوّرت، في بعض الأحيان، الحضارة الإسلامية على أنها ناقل للمعرفة لا مبتكر لها، وأبرزت جوانب معينة وأخفت أخرى، وفقًا لأجنداتها الخاصة. وستعزز إعادة المخطوطات الجهود التي ترنو لدحض الاستعمار المعرفي من خلال تمكين المؤسسات العربية والإسلامية لتنظيم تراثها وتفسيره من منظور محلي، ومن شأن هذا التحول أن يعيد تموضع التقاليد الفكرية العربية والإسلامية في صلب التاريخ العالمي لا في هامشه، الأمر الذي يتحدى الصور النمطية التي تقلل من إنجازاتها العلمية والفنية.

كما يوفّر الوصول إلى المخطوطات الأصلية فرصًا بحثية لا تعد ولا تحصى، وستتيح استعادتها للجامعات الفرص لإنشاء مراكز لدراسة المخطوطات، واستقطاب شراكات علمية، ورعاية الأجيال الجديدة من الباحثين، مما سيثري الحوار العلمي ويعزز مشاريع البحث التعاوني.

مقاومة الاستعادة والحلول المقترحة

تقاوم المؤسسات الغربية عمليات الاستعادة بذريعة الملكية والحماية. وتعكس هذه المقاومة، أو بالأحرى الرفض، الطابع الإمبريالي لتلك المؤسسات. وتتطلب المفاوضات مع المؤسسات الثقافية التحلي بقدر من الصبر، والمثابرة، والمهارات الدبلوماسية. ومع ذلك، قد تُفضي المقاربات غير التقليدية إلى حلول، مثل الوصاية المشتركة أو الإعارات طويلة الأجل للمكتبات والمراكز الثقافية في المنطقة؛ وفي أقل تقدير، يمكن اعتماد الاستعادة الرقمية، وإن كان الهدف النهائي يجب أن يتمثل في تمكين المؤسسات العربية والإسلامية من تولي وصاية تراثها بنفسها، وينطوي على ذلك الاستثمار في مرافق الحفظ، وتدريب المختصين، وبناء أنظمة أرشفة مستدامة لإطلاق الأثر الكامل لهذه المخطوطات.

وإن استعادة المخطوطات الإسلامية ستتجاوز كونها مجرد تعويض؛ إذ يعد ذلك بمثابة إحياء للتقاليد الفكرية، والثقافية، والدينية المميزة ضمن المنظومة الأكاديمية العالمية؛ فهذه المخطوطات تجسد السعي الإنساني المشترك نحو الحكمة. كما ستساهم في ترسيخ الاعتراف بالإسهامات العربية والإسلامية في تاريخ العالم من خلال دحر الاستعمار المعرفي، وتعزيز التعليم، وإثراء الحوار.

* هذا المقال من تأليف الدكتور ممدوح صقر أستاذ زائر في ماجستير العلوم في الفن والعمارة الإسلامية والعمرانبكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة.


رمضان في العصر الرقمي: نحو علاقة صحية مع التكنولوجيا

23 فبراير 2026
لقراءة المزيد

ماكدونالدية رمضان: من شعائر مقدسة إلى "ولائم واستغلال تجاري عالمي"

19 فبراير 2026
لقراءة المزيد

ضبط النفس في زمن التشتت: كيف يعيد رمضان التوازن لحياتنا؟

18 فبراير 2026
لقراءة المزيد

العدالة والرأفة: إعادة صياغة الإفلاس من منظور إسلامي

26 يناير 2026
لقراءة المزيد

الخوارزمية الذاتية: تأملات في تبعات الإتقان الرقمي

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

الموازنة بين الإيمان والتكنولوجيا والترابط العائلي: الأسرة في عصر الشاشات الرقمية

25 أغسطس 2025
لقراءة المزيد

الأخلاقيات الإسلامية لمكافحة الجرائم المالية

22 يوليو 2025
لقراءة المزيد