الجهة: كلية الدراسات الإسلامية
فاطمة الحاج

هل تساءلت يومًا ما هو سر أولياء الله الصالحين في استجابة دعائهم؟

 هل تريد أن تتعلم آداب الدعاء من أفضل أوليائه وصفوة خلقه، الأنبياء، سلام الله عليهم أجمعين؟

إن المتتبع للسرد القرآني لقصص الأنبياء يجد أنه لا يعلمنا العظات والعبر فقط، بل يخبرنا بقصص رسله وأوليائه، فيسرد علينا ابتلاءاتهم ويصف حالهم وكربهم، مما يؤكد بدوره على إنسانيتهم، وأنهم بشر مثلنا يصيبهم ما يصيبنا، وهم عرضة للمرض، وفقد الذرية، وفساد الأبناء، وغيرها من ابتلاءات المؤمنين. 

فيا لها من تسلية لعباده الصالحين، إذ يخبرهم الله أن هذه سنته في صفوة خلقه، ثم يعلمنا من خلال قصصهم كيف كان حالهم في ابتهالهم إلى الله عز وجل في تلكم البلاءات، ويرسم لنا الطريق لنتبع نهجهم وسنتهم. هذه الأسطر ستأخذنا في رحلة تأملية في مختلف قصصهم في القرآن لنستقي منها نهج الأنبياء في الدعاء والابتهال لربهم، لنتعلم كيف كان أدبهم مع ربهم جل في علاه. 

مكانة الدعاء في الإسلام 

وقبل الشروع في ذلك، أود أن أعرج على مكانة الدعاء في الإسلام، إذ إنه من أعظم العبادات والشعائر، لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُم، إنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ) غافر: 60. 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة". 

المتفكر أيضًا في هذه العبادة العظيمة يجدها من أعظم نعم الله على عباده، إذ تُعين على نوائب الدهر وتصل المؤمنين بخالقهم مباشرة بلا حاجب ولا وسيط. 

وكما أن لمخاطبة الملوك آدابًا يتأدب بها الطالب، فإن لمخاطبة ملك الملوك ورب الأرباب آدابًا يتلذذ بها المؤمن والداعي، واستقاء هذه الآداب ممن اصطفاهم الله هو من لبِّ التقرب إليه، إذ يقول جل جلاله: (أُو۟لَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ) الأنعام: 90.

يُعرِّف ابن حجر العسقلاني الدعاء بأنه "إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له". فهو "شفيع الحاجة ونجحها باللَّجاجة". 

وللدعاء آداب أوردها العلماء، أشهرها: الإخلاص في الدعاء، والتذلل والافتقار لله، وعدم الاعتداء في الدعاء، لقوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) الأعراف: 55، فضلًا عن الطهارة، واستقبال القبلة، والبدء بالحمد والثناء، والختم بالصلاة على الحبيب المصطفى، ورفع اليدين نحو السماء، علاوة على الإلحاح على الله .

أما عن الآداب المستقاة من قصص أنبيائه أذكر منها بضعة أمثلةٍ أولها:

 إن أول ما يعلمنا إياه سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أن الدعاء يصنع المعجزات، وأن من أولى آداب الدعاء توحيد الله عز وجل والامتثال لأوامره، إذ دعا ربه بعد أن ترك ذريته في وادٍ قفرٍ غير ذي زرع، قائلًا: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ) البقرة: 126.

 قد أجاب الله دعاءه، فجعله حرمًا آمنًا، لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد، ولا يصطاد صيده، ثم أنبع فيه لذريته زمزم الجارية إلى يومنا هذا. كما أنه توسل إلى الله بعمله الصالح وإقامة أهله للصلاة، فقال في سورة إبراهيم: (رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) إبراهيم: 37. 

يقال أنّ السائل عند كرماء العرب قديمًا كان يُذكّرهم بمآثرهم وفضائلهم ويستشهد بكرمهم السابق ليستميل نفوسهم للعطاء، فنجد هذا المعنى في استذكار الأنبياء صلوات ربي عليهم لمنة الله السابقة عليهم وإظهار عادات تفضله من قبل. 

إذ يقول زكريا (لم أكن بدعائك رب شقيًا) مريم: 4، أي ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي من قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك فتعرّفني الإجابة، يقول القرطبي: إنك عودتني الإجابة فيما مضى فكان جواب الله عز وجل (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ) مريم: 7، ويقول نبي الله إبراهيم عند طلبه للذرية (وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا) مريم: 48، فأجابه الله عز وجل في نفس السورة، (وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).

ومما تعلّمناهُ من نبي الله زكريا أيضًا من آداب الدعاء وأسرار الاستجابة؛ دعاء الله عند رؤية نعمه على الغير وأفضاله عليهم إذ لما رأى رزق الله لمريم عليها السلام (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) آل عمران: 37، قال ابن عباس: وجد عندها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصّيف في الشتاء، وفاكهةَ الشتاء في الصيف. وكان هذا في عز أزمة أصابت بني إسرائيل. فلما علم زكريا أنه سبحانه القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه دعا ربه وسأله من فضله أيضًا (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (38) فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓائِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ (39)). 

مر أنبياء الله بلحظات كرب وامتحان شديدة، فها هو نبي الله هود عليه السلام إذ كذبته عادٌ وآذته، ولم يجد ناصرًا، فالتجأ إلى جناب الحي القيوم وحقق تمام التوكل إذ لا ناصر إلا الله وأخبرهم أن يجتمعوا عليه جميعًا ليكيدوه، لذلك قال: (إنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ) هود: 56، فحري بنا إن كادنا كائد أو اجتمع علينا بلاء أن نتذكر أنه ما من دابة في الأرض إلا ربي آخذ بناصيتها. ما أعجبها من آية وما أعجبه من تعبير. فجاءه جواب ربه (وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) هود: 58، وانظر إلى التجائه عليه السلام لركن ربه الشديد إذ اجتمع عليه قومه وهموا بالسوء ولم يجد بدًا من وقوعه مع قلة حوله وقوته (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ) هود: 80.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد. قال ابن عباس: فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب) هود: 81.

 وما ألطف ما علمنا نبي الله يوسف من تذكر لطف الله ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى إذ قال (وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ (101)) سورة يوسف.

ختامًا، هذه التأملات في قصص الأنبياء هي نداء لكل مؤمن طالب لقرب ربه، لاسيما مع اجتماع بركة الزمان وبركة الحال في رمضان من البر والتقوى، ونداء خاص لكل مبتلى وفي كرب أن يستذكر قدرة ربه وإعجازه، ويسأله بقديم كرمه ومنه، ويأوي إلى ركن ربه الشديد، فوالله إن فرجه لقريب.

 

هذا المقال من تأليف: فاطمة الحاج،  مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز الدراسات الاجتماعية والقانونية بكلية الحقوق في أكسفورد، وخريجة برنامج ماجستير الآداب في الدراسات الإسلامية المعاصرة بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة. 
 


أثر استعادة المخطوطات الإسلامية النادرة على التراث الحضاري العالمي

25 فبراير 2026
لقراءة المزيد

رمضان في العصر الرقمي: نحو علاقة صحية مع التكنولوجيا

23 فبراير 2026
لقراءة المزيد

ماكدونالدية رمضان: من شعائر مقدسة إلى "ولائم واستغلال تجاري عالمي"

19 فبراير 2026
لقراءة المزيد

ضبط النفس في زمن التشتت: كيف يعيد رمضان التوازن لحياتنا؟

18 فبراير 2026
لقراءة المزيد

العدالة والرأفة: إعادة صياغة الإفلاس من منظور إسلامي

26 يناير 2026
لقراءة المزيد

الخوارزمية الذاتية: تأملات في تبعات الإتقان الرقمي

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

الموازنة بين الإيمان والتكنولوجيا والترابط العائلي: الأسرة في عصر الشاشات الرقمية

25 أغسطس 2025
لقراءة المزيد