سكري الحمل هو أحد أنواع مرض السكري، ويظهر أثناء الحمل عندما لا يتمكن الجسم من استخدام الإنسولين بفاعلية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم، وغالبًا ما يتم تشخيصه في الثلث الثاني أو الثالث من الحمل.
وعالميًا، يصيب سكري الحمل ما يقارب 19% من الحوامل، وأما في دولة قطر فترتفع النسبة لتصل إلى 31.6% وفقًا لدراسة أُجريت في عام 2024؛ لذا، يصنف سكري الحمل على أنه أحد أهم المشاكل الصحية المقلقة للحوامل في دول الخليج.
ما هي الأسباب الكامنة وراء الإصابة بسكري الحمل؟
أثناء الحمل، تطرأ تغييرات طبيعية على كيفية استخدام الجسم للإنسولين، حيث يصبح البدن أقل استجابة له قليلًا، وذلك للسماح بوصول أكبر كمية ممكنة من الجلوكوز إلى الجنين. كما تعمد معظم أجسام النساء إلى إنتاج كميات إضافية من الإنسولين للحفاظ على مستوى السكر في الدم ضمن المعدل الطبيعي واستقراره.
ويحدث سكري الحمل عندما لا يتمكن الجسم من إنتاج الكمية الكافية من الإنسولين لتلبية هذا الطلب المتزايد، وقد تؤدي عدة عوامل إلى حدوث ذلك، من ضمنها العوامل الوراثية، والتغيرات الهرمونية أثناء الحمل، والالتهابات، وزيادة الوزن قبل الحمل، أو نمط الحياة المتمثل في إتباع نظام غذائي غير الصحي وقلة النشاط البدني.
كيف يتم تشخيص سكري الحمل؟
عادةً ما يُجري الأطباء فحوصات سكري الحمل بين الأسبوعين 24 و28 من الحمل، من خلال قياس مستويات السكر في الدم قبل وبعد شرب محلول جلوكوز خاص، لمعرفة مدى قدرة الجسم على التعامل مع السكر.
وأما في دولة قطر، فتوصي الإرشادات، التي تتماشى مع توصيات الرابطة الدولية لدراسة السكري والحمل، بما يلي أثناء الحمل:
- يجب أن يكون سكر الدم أثناء الصيام أقل من 95 ملغ/ديسيلتر
- يجب أن يكون سكر الدم أقل من 140 ملغ/ديسيلتر بعد ساعة واحدة من تناول الطعام
- يجب أن يكون سكر الدم أقل من 120 ملغ/ديسيلتر بعد ساعتين من تناول الطعام
وتساعد هذه القيم الأطباء على تحديد ما إذا كانت مستويات السكر في الدم ضمن المعدل الصحي أم لا.
لماذا يُعد هذا الأمر مهمًا؟
يمكن أن يؤثر سكري الحمل على الأم وجنينها إذا لم يتم التعامل معه بالشكل الصحيح؛ فبالنسبة للأمهات، فإنه يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، والولادة المبكرة، والإصابة بمرض السكري لاحقًا.
وأما بالنسبة للأجنة، فقد يؤدي ذلك إلى نموهم بحجم أكبر من المتوقع أو إصابتهم بانخفاض مستوى السكر في الدم بعد الولادة بفترة قصيرة.
وقد يستمر تأثيره لما بعد الحمل، إذ قد تصاب نحو 40% من النساء المشخصات بسكري الحمل بمرض السكري من النوع الثاني خلال الخمس السنوات التي تلي الولادة. كما أن أطفال الأمهات المصابات بسكري الحمل أكثر عرضة للإصابة بالمشاكل الصحية مثل السمنة خلال مراحل حياتهم. وتسلط هذه العواقب الوخيمة وطويلة الأمد الضوء على أهمية إبداء الاهتمام اللازم بهذه الحالات من خلال الكشف المبكر والوقاية.
عوامل الخطر
- التاريخ العائلي للمرض والمتغيرات الجينية
يعد تاريخ الإصابة بمرض السكري في العائلة من المخاطر المعروفة، لأنه يكشف في الغالب عن القابلية الوراثية المشتركة في العائلات. كما تم تحديد عدة متغيرات جينية تزيد من خطر الإصابة بمقاومة الإنسولين وضعف إفرازه. ويمكن أن تؤثر هذه التغيرات الجينية على وظيفة خلايا بيتا في البنكرياس (وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين)، وإشارات الإنسولين، وعملية التمثيل الغذائي للجلوكوز.
- زيادة الوزن أو السمنة
تُصعب زيادة الوزن على الجسم استخدام الإنسولين بفاعلية. وخلال فترة الحمل، تزداد مقاومة الإنسولين بشكل طبيعي بسبب التغيرات الهرمونية، أما في حالات النساء المصابات بالسمنة، فإن هذه المقاومة الأساسية تصبح أعلى. كما ترتبط السمنة بزيادة إنتاج السيتوكينات الالتهابية المسببة للاضطرابات الأيضية.
- تقدم عمر الأم
إن النساء اللاتي يحملن في سن متقدم يصبحن أكثر عرضة للإصابة بسكري الحمل، وذلك لأن حساسية الإنسولين تميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر.
ولا تضمن هذه العوامل إصابة المرأة بسكري الحمل، لكنها قد تزيد من احتمالية حدوث ذلك، ويساعد إدراك هذا الأمر في الكشف المبكر عن المرض والوقاية منه.
الفحص والوقاية والتحكم
تخضع معظم النساء لفحص سكري الحمل في الفترة ما بين الأسبوعين 24 و28 من الحمل، ولكن في حال وجود عوامل خطر أعلى، قد يختار الطبيب إجراء الفحص في وقت أبكر قليلًا كإجراء احترازي.
وفي حال تم التشخيص بسكري الحمل، يمكن التحكم فيه من خلال دمج العادات الصحية والدعم الطبي عند الحاجة، إذ يمكن أن يساهم تناول الوجبات المتوازنة، وممارسة الرياضة، واتباع إرشادات مقدمي الرعاية الصحية في إحداث فرق كبير في الحفاظ على مستويات السكر بالدم وجعلها ضمن المعدلات المطلوبة.
وإذا لم تؤدِّ التغييرات الصحية وحدها إلى خفض مستويات السكر في الدم، فقد يقترح الأطباء استخدام العلاج بالإنسولين للمساعدة في السيطرة عليها. وبعد الولادة، فإنه من المهم الاستمرار في اتباع العادات الصحية وإجراء فحوصات منتظمة حيث إن النساء اللاتي أصبن بسكري الحمل أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني في وقت لاحق من حياتهن.
الخلاصة
بات سكري الحمل يشكل قلقًا صحيًا متزايدًا، ولا سيما في دولة قطر، حيث يتم تسجيل معدلات إصابة أعلى مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. وتتسم أسباب المرض بالتعقيد، إذ تشمل مزيجًا من العوامل الوراثية، والالتهابات، والإجهاد الأيضي، وتأثيرات نمط الحياة؛ ومع ذلك، فإنه يمكن التحكم في سكري الحمل، وفي كثير من الحالات يمكن اتخاذ خطوات تساعد في الوقاية منه، ويؤدي اختيار الخيارات الصحية قبل الحمل وخلاله دورًا أساسيًا في تقليل المخاطر.
وبعد الولادة، تظل الفحوصات الدورية والالتزام بالعادات الصحية أمرين مهمين لا بد منهما، إذ أن النساء اللاتي أُصبن بسكري الحمل معرضات للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني لاحقًا. وبإمكاننا تعزيز صحة الأمهات وأطفالهن من خلال رفع مستوى الوعي والتركيز على الوقاية.
* هذا المقال من تأليف الدكتورة هبة الصديقي، العالم بمركز بحوث السكري في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة حمد بن خليفة.
أخبار مشابهة
عندما تلتقي الخوارزميات بعلم الأورام: الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في علاج سرطان الثدي
من التشخيص إلى العلاج: كيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين رعاية مرضى سرطان الثدي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي يعزز الوعي العام باضطراب التوحد من خلال المبادرات البحثية والعمل المجتمعي