مدينة الدوحة

هل نحن نبني المدن الذكية التي لطالما تصورناها أم أننا دون قصد "نحبس الحرارة" ونتسبب في زيادة تكلفة فواتير الطاقة؟

على مدار سنوات عديدة، ارتبطت تنمية الأجزاء الشرقية من شبه الجزيرة العربية بالسعي إلى تطوير العمارة والحاجة الماسة إلى تنويع اقتصاد المنطقة؛ إلا أن البيانات الجديدة تُظهر أن التوسع الحضري السريع يُحدث تغييرات جذرية في المناخ المحلي بطرق يصعب على نماذج الطاقة الحالية مواكبتها. إذ لم يعد الأمر يقتصر على تلبية احتياجات الأفراد في ظل النمو السكاني المتزايد فحسب، بل بات يتعلق أيضًا "بالضريبة" المتزايدة على الطاقة المستهلكة في المباني.

التغيير بمقدار 7 درجات مئوية

لقد تغيّرت طبيعة مدينة الدوحة، حيث كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة حمد بن خليفة استندت إلى بيانات الأقمار الصناعية على مدى 30 عامًا، عن وجود فرق كبير بين البيئة الصحراوية الطبيعية في دولة قطر والبيئة العمرانية.

ففي المناطق التي شهدت أعلى معدلات التحضر منذ تسعينيات القرن الماضي، ارتفعت درجات حرارة سطح الأرض بأكثر من 7 درجات مئوية. وفي حين يعد النمو السكاني والتحضر سببًا في هذا الارتفاع المثير للقلق، إلا أنه يُعد أيضًا نتيجة مباشرة لظاهرة "الجزيرة الحرارية الحضرية". فقد توسعت البصمة الحرارية للدوحة بمعدل مقلق، الأمر الذي تسبب في خلق بيئة عمرانية تحبس الحرارة بين الشوارع، مما يؤثر سلبًا على راحة الأفراد في الأماكن المفتوحة.

"ضريبة" تزايد استهلاك الطاقة

وقد كان لهذا الارتفاع في درجات الحرارة أثر ملموس على شبكة الكهرباء في دولة قطر، حيث ارتفع إجمالي استهلاك الكهرباء بنسبة 25% خلال السنوات الخمس الماضية. وبالرغم من أن النمو السكاني هو أحد العوامل المؤثرة في حدوث ذلك، إلا أن الطلب المتزايد الناجم عن تغير المناخ، وتحديدًا الطاقة اللازمة لتبريد المساحات الداخلية، هو ما أدى في نهاية المطاف إلى هذه الزيادة المقلقة.

وفي عام 2024، ارتفع استهلاك الكهرباء في القطاع السكني في الدولة بنسبة 29% نتيجة لعوامل تتعلق بالتغير المناخي فقط. ويكمن السبب وراء ذلك في "مؤشر الحرارة (HI)"، الذي يعكس الآثار المشتركة لدرجات الحرارة والرطوبة ويحدد مستوى الجهد الذي تضطر أنظمة التبريد لبذله.

ولا شك في وجود ترابط قوي بين معدل ارتفاع مؤشر الحرارة والزيادات الكبيرة في استهلاك الطاقة السكنية؛ ففي الوقت الحالي، تندرج 41% من أيام الصيف في المنطقة ضمن فئتي "الخطر" أو "الخطر الشديد". وبالنسبة للمسؤولين عن مشاريع إدارة البنية التحتية واسعة النطاق أو تطوير المناطق السكنية، فإن ذلك يمثل تحولًا هيكليًا في تكاليف التشغيل، فنحن نواجه مناخًا محليًا خارجيًا يزداد ضراوة، وهو أمر لم تُصمم قوانين البناء الحالية لتحمله.

توقعات عام 2050: زيادة بنسبة 65%

تشير نماذج المحاكاة إلى أنه في حال استمرت المنطقة في البناء والتبريد وفقًا لأفضل الممارسات الحالية، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع إجمالي الطلب على الكهرباء بنسبة 65% بحلول عام 2050.

وإذا كان ثلث الطاقة المستهلكة في القطاع السكني يُستخدم حاليًا في التبريد الناجم عن تغير المناخ، فإن هذه الزيادة غير المستدامة في إجمالي الطلب ستفرض عبئًا غير مسبوق على قدرات توليد الكهرباء وعمليات التحول إلى استخدام الطاقة المتجددة.

إعادة تعريف الواحة الصحراوية

لإيجاد حل لهذه الأزمة يجب تطوير حلول مبتكرة لتحويل العبء إلى فرصة. وبينما تُعد الحدائق والبنى التحتية "الزرقاء والخضراء" عناصر أساسية، فإن دورها في خفض مؤشرات الحرارة لا يزال محدودًا؛ وعليه، يجب علينا إعادة النظر بشكل جذري في النسيج العمراني لمدننا.

وتحقيقًا لهذه الغاية السامية، تترأس جامعة حمد بن خليفة التحول الجذري في مواد البناء المستخدمة من خلال تطوير مواد مبتكرة صُممت خصيصًا لملائمة الظروف المناخية القاحلة لشبه الجزيرة العربية. كما نجح باحثو كلية العلوم والهندسة في ابتكار مادة مستدامة قادرة على امتصاص الحرارة وإدارتها بكفاءة غير مسبوقة من خلال دمج حبيبات البيرلايت، وهو مورد طبيعي بركاني، في الخلطات الخرسانية.

ويكمن مستقبل الواحة الصحراوية في هذا الابتكار "المبرِّد"، إذ يتيح الفرصة لكسر حلقة الطلب المتزايد على الطاقة ويضمن قابلية العيش في المنطقة على المدى الطويل من خلال اعتماد مواد ذكية تعمل كحواجز حرارية بدلًا من حبس الحرارة.

* هذا المقال من تأليف الدكتور عزام بن محمد الرياشي، الأستاذ المساعد بقسم التنمية المستدامة في كلية العلوم والهندسة في جامعة حمد بن خليفة.

* تنشر إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة هذا المقال بالنيابة عن مؤلفه، والأفكار والآراء الواردة فيه تعبر عن الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.


ما بعد مونديال كأس العالم - قطر تُعيد رسم المشهد

11 يونيو 2026
لقراءة المزيد

هل تقتل المدن الحديثة التراث والقيم؟

14 أبريل 2026
لقراءة المزيد

بدائل الخرسانة: دراسة المواد الممتصة للكربون لبناء المستقبل

22 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

مشروع وأستاذ بكلية العلوم والهندسة ضمن قائمة جوائز تايمز للتعليم العالي

12 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

التبريد المستدام في الدوحة: حلول بيئية ذكية لمناخ أكثر اعتدالًا

03 سبتمبر 2025
لقراءة المزيد

ما وراء النهضة التكنولوجية والمدن الذكية: المصالح الإنسانية وسلامة الكوكب قبل العوائد المالية

23 يوليو 2025
لقراءة المزيد

دراسة لجامعة حمد بن خليفة حول تأثير مجموعات الجري النسائية على المشهد الرياضي في قطر

18 مايو 2025
لقراءة المزيد