بالنسبة لدولة قطر، لم تنتهِ بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022 مع انطلاق صافرة النهاية في استاد لوسيل؛ بل كانت تلك الصافرة إعلان لبداية فصل أكثر أهمية يتمحور حول مستقبل التحول النوعي الرياضي للدولة. وبعد مرور ثلاث سنوات، يتم الإجابة عن هذا السؤال تدريجيًا، من خلال فعالية بعد أخرى، بينما تصبح معالم الطريق نحو الوجهة أكثر وضوحًا مع تغير المواسم.
وعندما نالت دولة قطر حق استضافة كأس العالم في عام 2010، كانت التعليقات الخارجية تميل إلى اختزال ملف الاستضافة في كونه تعبيرًا عن نوايا جيوسياسية: دولة خليجية صغيرة وثرية تستخدم الرياضة لترسيخ مكانتها في العالم، في حين رأى الخبراء أن هذا الموضوع يتطلب تحليلًا موضوعيًا شاملًا؛ فلطالما كانت الدول مثل قطر تستخدم كرة القدم كشكل من أشكال الاقتصاد الجيوسياسي، الذي تشكله العولمة، والرقمنة، وتحولات أسواق الطاقة وبات من الصعب فهم هذه الرياضة بمعزل عن تلك القوى. ولا يزال هذا المنظور التحليلي مفيدًا حتى اليوم، وتغير فقط حجم الأدلة المتاحة، والذي نما بصورة كبيرة.
ويعكس جدول الفعاليات الذي وضعته قطر لما بعد عام 2022 الثقة الكبيرة التي اكتسبتها خلال فترة التحضير لكأس العالم. فقد جسدت بطولة كأس آسيا، التي استضافتها الدولة مطلع عام 2024، نجاح الدولة في أول اختبار حقيقي لقدرتها على مواكبة متطلبات منظومة FIFA العالمية ثم الانتقال إلى تحقيق متطلبات اتحاد مختلف، وجمهور مختلف، وجدول زمني مضغوط. كما يبرز نجاحها في تنظيم البطولة وتسجيل إقبال جماهيري كبير وتماسك منظومتها التشغيلية المتكاملة، ثمرة الخبرات والمعرفة المؤسسية المكتسبة.
وكان رد قطر على استضافة كأس العالم 2022 هو الاستمرار في بناء منظومة تشغيلية تتسم بالكفاءة والمرونة، والحفاظ عليها باعتبارها إرثًا مستدامًا بدلًا من تفكيكها بمجرد انتهاء البطولة. ولقد استمر هذا العزم الراسخ رغم الأزمة الإقليمية المدمرة التي هزت الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير 2026. كما أثبت قرار مواصلة الفعاليات الرياضية وتسخيرها لأداء دور دبلوماسي فاعل للتوصل إلى وقف إطلاق النار، للقيادة القطرية وللعالم أجمع، أن مرونة المنظومة تتجاوز حدود الرياضة. وأكد ذلك أن الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى لدولة قطر تواصل مسارها بثبات رغم التحديات الإقليمية، وأن الثقة الدولية التي بُنيت عبر سنوات لا تتبدد بسهولة.
وتروي قائمة الفعاليات المرتقبة قصتها الخاصة، ففي أعقاب كأس العالم لكرة السلة (FIBA) عام 2027، ستُقام بطولة العالم للكرة الطائرة عام 2029، وتليها دورة الألعاب الآسيوية عام 2030؛ وهذه سلسلة تمتد عبر عدة رياضات وتضم العديد من الهيئات الإدارية على مدى عقد. ويتوج كل هذه الإنجازات طموح دولة قطر لاستضافة الألعاب الأولمبية والبارالمبية في عام 2036، والتي ستشكل أهم مشروع رياضي في تاريخ البلاد وعلامة فارقة تحدد مسار هذه الاستراتيجية طويلة الأمد. وسيستمر كل ما يلي هذا الحدث التاريخي في تشكيل هوية البلاد (مواطنيها، ومقيميها، وزوارها) حتى عام 2050 وما بعده. كما يبرز ذلك بنية ثقافة الاستضافة، التي تم ترسيخها بوعي والحفاظ عليها عن قصد.
ولطالما جرى التعامل مع الاستدامة في الرياضة على أنها تستند إلى مرجعية بيئية مثل تعويضات الكربون، وتصنيفات البنية التحتية الخضراء، وأهداف إدارة النفايات، على سبيل المثال لا الحصر. وهذه أمور مهمة، وقد استثمرت قطر فيها، لا سيما من خلال الجهات المؤثرة المدرجة تحت مظلة مؤسسة قطر. غير أن البُعد الأكثر استدامة هو البُعد المؤسسي المتمثل في الحفاظ على الخبرات، وترسيخ الرياضة ضمن أطر التنمية الوطنية، وتنمية المشاركات المحلية والعروض الرياضية النخبوية. وهنا يبرز أحد أكثر الجوانب أهمية، والأقل تناولًا إعلاميًا في النهج القطري المتطور، وهو إضفاء الطابع المؤسسي على مشاركة المرأة في المنظومة الرياضية.
وتستمر الجهود لبناء مسار متكامل للنساء والفتيات في الرياضة القطرية، يضمن المشاركة المجتمعية الأساسية والمنافسات الاحترافية، ويتجاوز مجرد رصد أرقام المشاركة أو التمثيل الرمزي. فالطموح هنا هيكلي: تطوير أطر الحوكمة، ومسارات التدريب، والبنية التحتية المجتمعية التي من شأنها أن تعزز تطوير الرياضة النسائية بصورة طبيعية ومستدامة على جميع المستويات. وقد بدأت المبادرات في إعطاء هذا الطموح شكلًا عمليًا، ويتماشى هذا التوجه بشكل وثيق مع مبادئ التضامن التي ظهرت في الخطاب العام لمؤسسة قطر حول الرياضة.
كما سيتم تقييم أي دولة تطمح لاستضافة الألعاب الأولمبية والبارالمبية، جزئيًا، بناء على مدى توافق هذا الطموح مع التطور الرياضي المحلي الشامل للجميع في السنوات التي تسبقها. ومن الجدير أخذ هذا التناسق في الاعتبار بينما يستعد العالم لبطولة كأس العالم ذات الطابع المختلف تمامًا. وستكون بطولة 2026، التي ستقام في الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك أكبر حدث كروي على الإطلاق. فهي متفرقة جيوغرافيًا، ومعقدة لوجستيًا، ومتعددة الأبعاد سياسيًا بطرق لم تضطر الدول المضيفة الصغيرة نسبيًا مثل قطر إلى التعامل معها. فبينما أقيمت نسخة 2022 بحيث تقع جميع الملاعب الثمانية على بعد ساعة بالسيارة من بعضها البعض (أي أن المشجعين كانوا قادرين على التنقل بين المباريات في نفس اليوم، في إيقاع واحد مشترك عبر المدينة المستضيفة)؛ فإن نموذج 2026 يطلب من المشجعين، والمذيعين، والوفود الوطنية متابعة البطولة عبر الحدود والمناطق الزمنية والمناخات والسلطات القضائية.
وبالنسبة إلى الدوحة، هناك درس يمكن استخلاصه من مراجعة نموذج الاستضافة المشتركة: صعوبة الحفاظ على تناسق سرد أحداث البطولة، والتحديات التي ينطوي عليها توزيع المنافع بشكل عادل بين المناطق والمدن المستضيفة، والخطر المتمثل في أن تؤدي الأهمية الكبيرة للبطولة إلى إضعاف التضامن الذي تهدف البطولة إلى الاحتفاء به ويبقى السؤال حول ما إذا كان نموذج الاستضافة الثلاثية سيعزز التزام كرة القدم المعلن بالوحدة العالمية أم سيزيد من الضغوطات والتحديات، أحد الأسئلة الأساسية لهذا الصيف، ونقطة مرجعية يمكن تقييم جميع العروض اللاحقة، بما في ذلك طموحات دولة قطر. كما يقدم نهج قطر المركّز والمتكامل وطنيًا إجابة مختلفة على السؤال حول ما يمكن تحقيقه من خلال استضافة حدث رياضي كبير، وهو برنامج قيد التنفيذ، ولا تزال أهم فصوله قيد الكتابة.
* هذا المقال من تأليف الدكتور كريستوس أناجنوستوبولوس، الأستاذ المساعد في كرسي اليونسكو للحوكمة والمسؤولية الاجتماعية في الرياضة بكلية العلوم والهندسة في جامعة حمد بن خليفة.
أخبار مشابهة
مشروع وأستاذ بكلية العلوم والهندسة ضمن قائمة جوائز تايمز للتعليم العالي
ما وراء النهضة التكنولوجية والمدن الذكية: المصالح الإنسانية وسلامة الكوكب قبل العوائد المالية