يتوقف سعي القارة نحو نهج اقتصادي مستدام على مرونتها مع التغيرات المناخية وتحقيق توازن بين العمل المناخي والتنمية

الهيئة: كلية القانون
الدكتور داميلولا أولاوي

شكّل اعتماد أجندة 2063 في عام 2015 من قبل الدورة العادية الرابعة والعشرين لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي دفعة تحولية لتعزيز التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية في قارة أفريقيا. ويُعد تحقيق "اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئيًا وقادرة على الصمود أمام التغييرات المناخية في مختلف أنحاء أفريقيا"، أحد أهم الأهداف الرئيسية لهذه الأجندة.

ويثير التحول الأخضر العالمي الحالي العديد من التساؤلات الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية المعقدة بالنسبة لأفريقيا، وعلى الرغم من أن القارة ليست كتلة جغرافية متجانسة، إلا أن دولها تتشارك سمات متقاربة من حيث الاعتماد التاريخي على وفرة الموارد الطبيعية والضعف أمام حالات الطوارئ المرتبطة بتغيّر المناخ.

كما تضم القارة الأفريقية بعض أكبر مصدّري النفط، والغاز الطبيعي، والمعادن الصلبة في العالم؛ حيث تمثل هذه السلع أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في العديد من الدول الأفريقية. وعليه، وعلى الرغم من المساهمات التاريخية الأقل نسبيًا لأفريقيا في انبعاثات الغازات الدفيئة، فإن الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري وعدد السكان المتزايد يعني أن أفريقيا لديها حاليًا أحد أسرع معدلات النمو في انبعاثات الغازات الدفيئة. وفي الوقت نفسه، تواجه القارة حالات طوارئ معقدة تتعلق بفقر الطاقة (عدم قدرة العوائل على الحصول على الكهرباء وخدمات الطاقة الحديثة بتكلفة معقولة)؛ فعلى سبيل المثال، تعاني أفريقيا من أدنى معدلات استخدام الكهرباء على مستوى العالم، حيث لا يزال أكثر من 600 مليون أفريقي يفتقرون إلى الكهرباء، بينما يعاني 30% آخرون من انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة ونقص في إمدادات الطاقة.

وعلى هذا الأساس، أعلن الاتحاد الأفريقي عن مقترح أفريقي مشترك يتعلق بالوصول إلى الطاقة والتحول العادل ويهدف إلى استخدام جميع الموارد الطبيعية في القارة، بما في ذلك الغاز الطبيعي، لمعالجة أزمة نقص الطاقة في أفريقيا، بما يتماشى مع هدف التنمية المستدامة السابع للأمم المتحدة (SDG 7) المتعلق بتوفير طاقة نظيفة، ومستقرة، وميسورة التكلفة للجميع بحلول عام 2030.

وبينما ترتبط السردية السائدة حول التحول الأخضر في دول الشمال العالمي باحتجاز وتخزين الكربون والانتقال إلى اقتصاد خالي من الانبعاثات الكربونية، فإن التحول الأخضر بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية يتمحور حول المرونة. وتحتاج القارة إلى تحقيق تحول أخضر عادل، ومنصف، وشامل، تقوده أفريقيا وتمتلكه، دون ترك أي أحد خلف الركب. ومع ذلك، وبعد مرور عشر سنوات على اعتماد أجندة 2063، لا يزال المسار نحو تحقيق أهداف التحول الأخضر في أفريقيا غير واضح.

ركائز التحول الأخضر في أفريقيا

يرتكز إطار هذا التحول على ثلاث ركائز مركزية ضمن أجندة التحول الأخضر في أفريقيا. وتتمثل الركيزة الأولى في الحاجة الملحّة إلى تعزيز القدرة على الصمود المناخي والاستعداد للكوارث الطبيعية والوقاية منها. ففي الدول الأفريقية المنخفضة الارتفاع مثل سيشيل، وجزر القمر، ومدغشقر، وموريشيوس، وكذلك في الدول القاحلة مثل السودان، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر يشكّل التغيّر المناخي تهديدات وجودية، من ضمنها: الجفاف، وندرة المياه، والنزاعات على الأراضي، وحالات النزوح. وبناء على ذلك، يجب أن يسرّع التحول الأخضر من تطوير البنية التحتية الذكية مناخيًا وأنظمة الإنذار المبكر والاستجابة للكوارث.

وأما الركيزة الثانية فتتعلق بتنويع مصادر الطاقة والاقتصاد. ومع تراجع الطلب على الوقود الأحفوري، الذي يشكّل هيكل العديد من الاقتصادات الأفريقية، تصبح الحاجة إلى أجندة التحول الأخضر ضرورة حتمية.

كما يتعيّن على القارة الاستفادة من مواردها الوفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاستثمار، بما يعزز التنويع الاقتصادي. ومع تزايد الطلب العالمي على معادن التحول الطاقي (ETMs)، مثل الكوبالت، والنحاس، والجرافيت، والليثيوم، والنيكل، والمنغنيز، وصخور الفوسفات، والزنك، والمعادن الأرضية النادرة اللازمة لتشغيل التقنيات وبنى الطاقة المتجددة، فإن لدى أفريقيا إمكانات هائلة للاعتماد على إمداداتها من هذه المعادن. ونتيجة لذلك، يمكن للدول أن تتحول من منطقة تعتمد على مواردها إلى قوة عالمية في الابتكار والتصنيع، من خلال أطر عمل مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA). 

وأما الركيزة الثالثة، وربما الأهم، فهي النزعة المحلية والشمول الاجتماعي. إذ يجب أن يوفّر التحول الأخضر إجراءات تخفف من الآثار الاقتصادية، ولا سيما على العاملين المتأثرين بانتقال الطاقة. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يستند تصميم وتطبيق مشاريع التحول نحو الطاقة النظيفة إلى نهج مبني على الحقوق، لمنع العبودية الحديثة، والاستيلاء على الأراضي، وحالات التهجير القسري، وضمان الشمول القائم على النوع الاجتماعي في قطاع الطاقة. كما يتيح التحول الأخضر فرصًا هائلة لتعزيز ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا النظيفة، وتوطين الطاقة، والمشاركة المحلية في الابتكار، بما يدعم أجندة انتقال شاملة.

العوائق والتحديات

على الرغم من الإمكانات الكبيرة التي يتيحها التحول الأخضر لبدء التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء أفريقيا، إلا أنه لا بد من التصدي لعدد من العوائق القانونية والمؤسسية أولًا، وتعد فجوات التمويل الضخمة أحد أبرز هذه العوائق، ففي حين تطالب مجموعة المفاوضين الأفارقة (AGN) المعنية بتغيّر المناخ، بتوفير 1.3 تريليون دولار سنويًا لتمويل التنمية المرتبطة بالمناخ في القارة؛ تذهب ما يقدر بـ 2% فقط من الاستثمارات الخضراء العالمية الجديدة إلى أفريقيا رغم إمكانات القارة في مجال الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة المتجددة. كما تؤكد الفجوات التمويلية الكبيرة وأعباء الديون المتزايدة على العديد من البلدان الأفريقية، على الحاجة إلى مزيد من التضامن الدولي والدعم لأفريقيا أثناء انتقالها إلى الاقتصاد الأخضر. 

ويفاقم التغيّر المناخي من انعدام الأمن العالمي، والهجرة الجماعية، وندرة المياه والطاقة والغذاء، والفقر بأفريقيا، وكلها عوامل تفرض ضغوطًا متزايدة على المجتمع الدولي. ويجب أن يوازن التحول الذي تقوده أفريقيا بين متطلبات مواجهة تغيّر المناخ وتحقيق التقدم في جميع الجوانب. كما تبرز الحاجة إلى زيادة الطموح والالتزام الدولي لتوسيع نطاق تمويل أجندة التحول الأخضر في أفريقيا، ضمن إطار التضامن الدولي بموجب اتفاق باريس لدفع العمل المناخي العالمي. 

ويتزايد هذا التفاوت أيضًا بسبب الفجوات التكنولوجية، حيث يؤدي الاعتماد الكبير على المعدات المستوردة إلى ارتفاع التكلفة وإعاقة التكيّف المحلي. ويتطلب دفع التحول الأخضر في أفريقيا تحولًا جذريًا من التركيز الأحادي على استيراد التكنولوجيا إلى استيعابها، أي "عملية تعلم وفهم التكنولوجيا واستخدامها وتكرارها، بما في ذلك القدرة على اختيارها وتكييفها مع الظروف المحلية". كما يجب صياغة أطر قانونية متينة لتعزيز ثقة المستثمرين من خلال جعل التقنيات المنقولة محمية من المصادرة التعسفية أو سوء الاستخدام.

وإلى جانب سد الفجوات القانونية المتعلقة بالابتكار وحقوق الملكية الفكرية (IPR)، ثمة حاجة إلى أطر قانونية داعمة تحفز الاستثمار في التحول الأخضر بأفريقيا، فالاستثمارات الخضراء، مثل أي استثمارات أجنبية مباشرة، تتجه نحو المناطق التي تتمتع بمناخ استثماري مواتي وقوانين شاملة وداعمة تُبسّط عملية الاستثمار الأخضر.

وإضافة إلى ما سبق، تحد فجوات القدرة الاستيعابية من التطبيق المتماسك والمنسق لأجندة التحول الأخضر في أفريقيا. فقد أظهرت الدراسات أن الجهات التنظيمية، غير قادرة على مراقبة الامتثال لمعايير الاستدامة بصورة متسقة، بسبب نقص التدريب، والمعدات، والأدوات. كما أن غياب تقنيات وأدوات الإحصاء وجمع البيانات يعني في كثير من الأحيان أن الجهات التنظيمية في عدد من الدول الأفريقية غير قادرة على تجميع البيانات المتعلقة بالتحول الأخضر وتقييمها ومعالجتها بشفافية.

الفرص والمستقبل

يتوقف نجاح التحول الأخضر في أفريقيا على التضامن الدولي، وتبادل المعرفة على المستوى الإقليمي، والإصلاحات القانونية، والحوكمة على الصعيد المحلي. كما يتعين على الدول المتقدمة تقديم الدعم من خلال توفير تدفقات منتظمة من التكنولوجيا، والدعم المالي، وإعادة هيكلة الديون، وتنمية القدرات، بما يتماشى مع اتفاق باريس.

وتضطلع مؤسسات التعليم العالي بأدوار محورية في تصميم البرامج التدريبية والبحوث المبتكرة لصقل مهارات ومعرفة المبتكرين في المؤسسات المالية، والجهات التنظيمية، وغيرها من الجهات المعنية المشاركة في برامج التحول الأخضر. وفي الوقت نفسه، يجب على الاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية المعنية الأخرى اعتماد إرشادات موحدة لدمج أجندة التحول الأخضر في جميع قطاعات التجارة، والاستثمار، والتمويل.

وإن الحلول الجاهزة والمستوردة التي تتجاهل التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا لن تُحرز سوى تقدم ضئيل أو معدوم. ويجب أن يتم تصميم برنامج التحول الأخضر في القارة ويُقاد ويُمتلك من قبل أبنائها، بما يضمن المساهمة في تحديد الأجندة والسعي إلى الاستدامة البيئية للقضاء على الفقر، وتعزيز التنمية طويلة الأمد، وترسيخ الكرامة الإقليمية.

يستند المحتوى المذكور أعلاه على كتاب التحول البيئي في أفريقيا، وقد جرى تحريره وإعادة نشره بإذن كامل.

هذا المقال من تأليف الدكتور داميلولا أولاوي، الأستاذ والعميد المشارك للبحوث وأستاذ كرسي اليونسكو في القانون البيئي والتنمية المستدامة في كلية القانون. 


التقريب بين العوالم القانونية: أهمية التعاون بين كليات القانون العربية والأمريكية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

دور الوسائل البديلة لتسوية المنازعات وحماية الملكية الفكرية في تحقيق رؤية قطر الوطنية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: "النهج الحقيقي لدورة الحياة"

16 يوليو 2025
لقراءة المزيد

أهمية الاستثمار في القطاع الخاص لإحداث تحول عادل في مجالات الطاقة بأفريقيا

30 ديسمبر 2024
لقراءة المزيد

هل حان الوقت لإلزام شركات الخليج بالإفصاح عن بياناتها المناخية؟

31 يوليو 2024
لقراءة المزيد

قصص نجاح خريجي جامعة حمد بن خليفة: أحمد الأحمد – كلية القانون

14 يوليو 2024
لقراءة المزيد

تكميم الأفواه في فلسطين تهديدٌ لحرية الإعلام

02 مايو 2024
لقراءة المزيد