الجهة: كلية القانون
تم توقيع الاتفاقية في عام 2025 في هانوي، فيتنام

في 25 أكتوبر 2025، أبرمت دولة قطر وعدد من الدول الأخرى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية، وهي معاهدة متعددة الأطراف تهدف إلى الحد من الجرائم السيبرانية، والتحقيق في أمرها، وملاحقة مرتكبيها. وتوج حفل التوقيع، الذي عُقد في هانوي، سنوات من المفاوضات لمعالجة المشكلة العالمية المتنامية المتمثلة في سهولة وصول الجناة إلى أنظمة المعلومات والاتصالات واستخدامها في الأنشطة غير المشروعة.

وتُلزم الاتفاقية كل الدول الموقعة بتجريم بعض الحملات السيبرانية المحددة، بما في ذلك الدخول غير المصرح به إلى أنظمة تكنولوجيا الاتصالات، واعتراض البيانات الإلكترونية أو التدخل فيها، وإساءة استخدام الأجهزة، وتزوير المعلومات والأنظمة، والسرقة، أو عمليات الاحتيال عبر الإنترنت، فضلًا عن الأفعال الأخرى التي يجب تجريمها مثل الأنشطة السيبرانية التي تستغل الأطفال ونشر الصور الحميمية دون موافقة الشخص المعني.

وعلاوة على الالتزام بسنّ قوانين جنائية محددة، فإن على الدول الموقعة الإقرار بالتزامات إجرائية واسعة، تشمل جمع وحفظ بيانات إلكترونية معينة، بما في ذلك مزودي الخدمات. كما يتعين وضع تدابير لحماية الشهود والضحايا. كما تفرض المعاهدة على الدول التعاون في التحقيقات والملاحقات القضائية للجرائم، وذلك نظرًا للطبيعة العالمية للجرائم السيبرانية. وإضافة إلى ما سبق، تقدم المعاهدة الإرشادات والتوجيهات اللازمة بشأن المساعدات القانونية المتبادلة، لا سيما المتعلقة بتسليم المطلوبين.

فماذا تعني هذه الاتفاقية لدولة قطر؟ إن اعتماد الدولة لقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2014 يلائم متطلبات الاتفاقية؛ فهو يجرّم الدخول غير المصرح به إلى أنظمة المعلومات والبرمجيات والشبكات والمواقع الإلكترونية، وإساءة استخدام هذه الأنظمة والأجهزة لارتكاب الجرائم المختلفة، مثل الابتزاز أو أي أمر يمس بالأمن الوطني. كما يتضمن القانون تدابير موسعة تحدد التزامات دولة قطر بالتعاون مع الدول الأخرى، بما يتماشى مع الاتفاقية. وقد شهد القانون تحديثًا بارزًا في أغسطس 2025، قبيل توقيع قطر على الاتفاقية بفترة وجيزة، حيث تم فرض عقوبة قصوى بالسجن لمدة عام واحد وغرامة قدرها 100,000 ريال قطري في حال تم نشر صور لشخص ما دون موافقته.

وبالرغم عن جميع ما سبق، فإنه توجد قوانين أخرى ضمن النظام القانوني القطري تحقق متطلبات الاتفاقية، فعلى سبيل المثال، تُلزم الاتفاقية الدول بتجريم غسيل عائدات الجرائم السيبرانية. وفي عام 2019، اعتمدت دولة قطر قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وتجريم اتخاذ مختلف الإجراءات لإخفاء المصادر الحقيقية للأموال المحصلة من الأعمال غير المشروعة. وعليه، فإن هذا القانون يتوافق مع الاتفاقية التي ترنو لمكافحة غسيل الأموال. وقد تلزم الاتفاقية دولة قطر بتحديث بعض التشريعات المحلية لتضمين الجرائم الأساسية الواردة في الاتفاقية صراحةً ضمن نطاق تطبيق قانون مكافحة غسيل الأموال.

ومن ضمن نقاط التداخل الأخرى بين بنود الاتفاقية والقانون الحالي في قطر مسألة حماية البيانات؛ فبموجب الاتفاقية، قد يُطلب من الدول الموقعة نقل بيانات شخصية إلى دولة أخرى مع التركيز على الامتثال لضمانات حماية البيانات، ويعني ذلك أن على قطر، كحد أدنى، الالتزام بتطبيق قانون حماية خصوصية البيانات الشخصية.

كما تتضمن الاتفاقية شروطًا وضمانات، مثل اشتراط أن تتماشى تدابير الدولة مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان وأن تكون متناسقة. ويتيح هذا الجانب من الاتفاقية المجال لإجراء مراجعة تفصيلية للقوانين الحالية المتعلقة بالجرائم السيبرانية وغيرها في سياق الالتزامات التي قدمتها دولة قطر في مجال حقوق الإنسان.

وبغض النظر عن التفاصيل، ينبغي أن تشكل الاتفاقية حافزًا لإجراء نقاشات أوسع في قطر حول ضرورة حماية البيانات والبنية التحتية السيبرانية الحيوية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القيم التنافسية الأخرى. ويُعد تحقيق التوازن الصحيح تحديًا قد ينطوي على عناصر متعددة متغيرة مع تقدم التكنولوجيا. ونظرًا لتركيز دولة قطر على الجرائم السيبرانية، فهي تتميز حاليًا بالإمكانيات اللازمة لمواجهة هذه التحديات.

*هذا المقال من تأليف الدكتورة سوزان كارمانيان، عميد كلية القانون بجامعة حمد بن خليفة.


حوكمة الاستثمار من أجل التنمية المستدامة: إرساء أسس الاقتصاد القائم على المعرفة

17 فبراير 2026
لقراءة المزيد

الرؤى والمرونة: مخطط استراتيجي للتحول الأخضر في أفريقيا

18 يناير 2026
لقراءة المزيد

التقريب بين العوالم القانونية: أهمية التعاون بين كليات القانون العربية والأمريكية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

دور الوسائل البديلة لتسوية المنازعات وحماية الملكية الفكرية في تحقيق رؤية قطر الوطنية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: "النهج الحقيقي لدورة الحياة"

16 يوليو 2025
لقراءة المزيد

أهمية الاستثمار في القطاع الخاص لإحداث تحول عادل في مجالات الطاقة بأفريقيا

30 ديسمبر 2024
لقراءة المزيد

هل حان الوقت لإلزام شركات الخليج بالإفصاح عن بياناتها المناخية؟

31 يوليو 2024
لقراءة المزيد