الدكتور أحمد عيسى السليطي

أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إغلاق مضيق هرمز في إطار ردها على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على أراضيها، وصرح المسؤولون الإيرانيون بأنه سيتم مهاجمة أي سفينة تحاول المرور عبر هذا المضيق. وقد أحدث رد طهران على هذه الهجمات صدمة فورية في المشهد الاقتصادي العالمي، يُرجح أن تستمر آثار ذلك في المستقبل القريب.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان. كما يُعد المنفذ الرئيسي للعديد من دول مجلس التعاون الخليجي نحو الأسواق العالمية، ففي عام 2023، قدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 20% من نفط العالم يمر عبر هذا المضيق. وقبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يساهم في مرور خُمس الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق التجارية العالمية؛ ونظرًا لمركزية موقعه ودوره المهم في استمرارية تدفقات الطاقة العالمية، فإن مجرد التهديد بإحداث أي عرقلة في آليات عمله يمكن أن يؤدي إلى تقلب الأسواق.

ومع تصاعد التوترات، بدأت شركات الطاقة في تفعيل بنود القوة القاهرة المنصوصة في عقودها، بهدف تعليق الالتزامات التعاقدية أو إعادة التفاوض بشأن التعاقدات لحماية نفسها من المطالبات المحتملة. وأحدث إيقاف قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال ومشتقاته أثرًا كبيرًا في أسواق الطاقة العالمية، فقد ارتفعت أسعار الغاز بشكل كبير في بريطانيا لتصل إلى نحو 50%، في حين زادت أسعار الغاز الطبيعي المسال القياسية في قارة آسيا بنحو 39%. وعلى صعيد آخر، أوقفت شركة أرامكو السعودية أكبر مصفاة لها في رأس تنورة بطاقة 550,000 برميل يوميًا، وهي منشأة تمثل نحو 15% من صافي إنتاج المملكة العربية السعودية.

وفي هذا السياق، قد يكون الاحتجاج بالقوة القاهرة أمرًا مبررًا قانونيًا، فالاضطراب الناجم عن هجمات الطائرات المسيّرة وإغلاق إيران لمضيق هرمز يشكل ظرفًا استثنائيًا وغير متوقع أثرت بشكل أساسي في الإيفاء بالالتزامات التعاقدية المتعلقة بإنتاج الطاقة وشحنها؛ وعليه، فإن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي للطاقة، بل هو الشريان الحيوي لاستمرار التجارة البحرية العالمية. كما أن المخاطر الأمنية في المنطقة تؤثر بصورة مباشرة في النقل البحري. وكلما تصاعدت التوترات، غالبًا ما ترفع شركات التأمين أقساط مخاطر الحرب على السفن الناقلة في الخليج، الأمر الذي يزيد من تكاليف الشحن وقد يؤدي إلى تأخير حركة البضائع. ولا تزال الحرب تثير العديد من المخاوف حول التسبب في اضطرابات في مسارات الشحن وتأثير ذلك على أسعار النفط العالمية. وحتى 09 مارس 2026، أشارت التقارير الإعلامية إلى أن أسعار خام برنت ارتفعت بنسبة 30% متجاوزة بذلك حاجز 100 دولار للبرميل.

وبعيدًا عن التداعيات الاقتصادية، فإن أي محاولة لعرقلة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز تثير مخاوف جدية وفقًا للقانون الدولي العام. ويستند النظام القانوني الذي ينظم حركة الملاحة عبر المضائق الدولية إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حيث تنص المادة 38 من الاتفاقية على أن السفن والطائرات تتمتع بحق المرور عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية، في حين تنص المادة 44 على أن الدول الساحلية لا يمكنها عرقلة أو تعليق العبور بأي حال من الأحوال.

وعلى الرغم من أن بعض دول المنطقة ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن عددًا من الأحكام الأساسية للاتفاقية يعكس القانون الدولي العرفي، الأمر الذي يجعل هذه الدول ملزمة بتطبيق هذه الأحكام حتى ولو لم تصدق المعاهدة. وعلى وجه الخصوص، فإن المبدأ الذي يقتضي وجوب ترك المضايق المستخدمة للملاحة الدولية مفتوحة أمام السفن التي تتنقل بين أعالي البحار أو من المناطق الاقتصادية الخالصة إلى مناطق أخرى، هو مبدأ معترف به منذ زمن طويل نظرًا لكونه ركيزة من ركائز القانون العرفي. وقد قننت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار هذا المبدأ من خلال نظام المرور العابر، الذي ينص على عدم إعاقة حركة الملاحة عبر هذه المضايق والسماح للسفن والطائرات بالمرور بشكل مستمر وسريع. ويعكس التزام الدول الساحلية بعدم تعليق أو عرقلة المرور العابر توازنًا بين سيادة الدول الساحلية والمصالح الأوسع للمجتمع الدولي مع الحفاظ على تدفق الملاحة البحرية دون عوائق.

ويسبق الطابع العرفي لحريات الملاحة عبر المضايق الدولية اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقد تم إقراره في الاجتهاد القضائي الدولي. ففي قضية "مضيق كورفو" - المملكة المتحدة ضد ألبانيا- قضت محكمة العدل الدولية بأن الدول تتمتع بحق المرور عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزأين من أعالي البحار، حتى في زمن السلم وفي غياب نظام تعاهدي محدد. كما أكدت المحكمة أن هذه المضايق تمثل طرقًا أساسية للاتصال البحري الدولي ويجب أن تظل مفتوحة للملاحة السلمية. ومنذ ذلك الحين اعتُبر الحكم تأكيدًا على الطابع العرفي لحقوق الملاحة في المضايق الدولية.

وقد عززت الممارسات الدولية والاعتقاد القانوني بوجوب الالتزام بهذه القواعد من الطابع العرفي لهذه المبادئ، حيث قبلت الدول التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الالتزام بعدم عرقلة العبور عبر المضايق المستخدمة دوليًا، إدراكًا منها بأن القيود المفروضة على الملاحة قد تعطل التجارة العالمية وتؤثر على الأمن البحري الدولي. ونتيجة لذلك، يصنف النظام الذي ينظم العبور عبر المضايق الدولية اليوم على أنه قانون تعاهدي بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو أيضًا منظومة موازية تشمل قواعد القانون الدولي العرفي، لضمان التمسك بالمبدأ الأساسي المتمثل في استمرار المرور البحري المطبق على جميع الدول.

وبناءً على ما سبق، فإن تهديد إيران بعرقلة الملاحة أو تهديد السفن التجارية في مضيق هرمز قد يشكل خرقًا لالتزاماتها الدولية ويمكن اعتباره بادرة غير مشروعة دوليًا. وبمقتضى قانون مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، الذي اعتمدته لجنة القانون الدولي في عام 2001، فإن خرق أي دولة الالتزام الدولي يلزمها بتحمل المسؤولية الدولية. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للدول المتضررة إسناد المسؤولية إلى الدولة المخالفة ومطالبتها بوقف الفعل غير المشروع، وتقديم ضمانات بعدم التكرار، وربما التعويض عن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التدخل غير المشروع في الملاحة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي على دول الخليج تسريع الجهود الرامية إلى تنويع مسارات التصدير بشكل جدي، ويتضمن ذلك توسيع البنية التحتية لخطوط الأنابيب القادرة على تجاوز مضيق هرمز من خلال ربط منتجي الطاقة مباشرة ببحر العرب، وهو ما يمكن أن يوفر صمام أمان حيويًا في أوقات الأزمات. ومن شأن مثل هذه الاستثمارات أن تعزز أمن الطاقة ليس فقط في منطقة الخليج، بل في مشهد الاقتصاد العالمي أيضًا.

ويعد مضيق هرمز أكثر بكثير من مجرد بؤرة توتر إقليمية؛ فهو شريان مركزي لتجارة الطاقة العالمية وركيزة أساسية في النظام البحري الدولي. وإن أي محاولة لإغلاق المضيق أو عسكرة المنطقة تحمل في طياتها خطر إحداث صدمات اقتصادية كبيرة في الأسواق العالمية. كما أن القانون الدولي واضح: يجب أن تظل الملاحة عبر المضايق الدولية مفتوحة ومستمرة. ويُعد الحفاظ على هذا المبدأ أمرًا أساسيًا ليس فقط للحفاظ على أمن الطاقة العالمي، بل لصون النظام البحري القائم على الأحكام التي ترتكز عليها التجارة الدولية. وفي عصر تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، فإن حماية انفتاح مضيق هرمز ليست مجرد أولوية إقليمية، بل ضرورة عالمية.


قطر تُعزّز حضورها الدولي في مواجهة الجرائم السيبرانية

31 مارس 2026
لقراءة المزيد

حوكمة الاستثمار من أجل التنمية المستدامة: إرساء أسس الاقتصاد القائم على المعرفة

17 فبراير 2026
لقراءة المزيد

الرؤى والمرونة: مخطط استراتيجي للتحول الأخضر في أفريقيا

18 يناير 2026
لقراءة المزيد

دور الوسائل البديلة لتسوية المنازعات وحماية الملكية الفكرية في تحقيق رؤية قطر الوطنية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

التقريب بين العوالم القانونية: أهمية التعاون بين كليات القانون العربية والأمريكية

14 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: "النهج الحقيقي لدورة الحياة"

16 يوليو 2025
لقراءة المزيد

أهمية الاستثمار في القطاع الخاص لإحداث تحول عادل في مجالات الطاقة بأفريقيا

30 ديسمبر 2024
لقراءة المزيد