إحياء قطاع السياحة في قطر بعد جائحة كوفيد-19 | جامعة حمد بن خليفة
Hamad Bin Khalifa University

مقال رأي إحياء قطاع السياحة في قطر بعد جائحة كوفيد-19

بقلم الحسين كرباش وباهادير ياديكار

أحدثت جائحة كوفيد-19 تأثيراً هائلاً على قطاع السياحة العالمي، لا سيما في القارة الأوروبية، حيث بدأت العديد من الدول، مؤخراً، بفتح الفنادق والمنتجعات المختلفة، للحدّ من الأضرار اللاحقة بهذه الصناعة الحيوية. وبالرغم من صغر حجم قطاع السياحة القطري مقارنة بنظيره الأوروبي، فإنه لا مناص من الاعتراف بالأضرار الكبيرة الذي أصابته. لكن هذا التحدي الخطير لقطاع اقتصادي تزداد أهميته باطراد ليس الأول من نوعه الذي تواجهه قطر.

المتاعب المستقبلية

يُساهم قطاع السياحة بشكل كبير في الاقتصاد العالمي. واستناداً إلى المجلس العالمي للسفر والسياحة، فقد ساهم هذا القطاع، خلال عام 2019، بنحو 10.3% من مجمل الناتج المحلي الإجمالي في العالم، كما أنه وفّر 330 مليون فرصة عمل. لا شك بأن جائحة كوفيد-19 كانت بمثابة كارثة هائلة ألمّت بهذا القطاع الحيوي. ونتيجة للحجر المنزلي وغيره من التدابير الاحترازية، فقد شهد شهرا أبريل ومايو المنصرمان انكماشاً يُقارب نسبة 100% من الوصول السياحي حول العالم.

فقد حذّرت منظمة السياحة العالمية للأمم المتحدة أن جائحة كوفيد-19 قد تتسبب كذلك في خسارة 1.1 مليار وصول سياحي، وهو ما يُترجم بخسارة 1.2 تريليون دولار من الإيرادات وزوال 120 مليون وظيفة. لقد بدأت الفنادق تشعر بفداحة الأزمة، حيث تُشير مجموعة إنتركونتننتال بأن العائد المنتظر على الغرفة المتاحة – وهو المؤشر المستخدم عادة – قد انخفض بنسبة 80% خلال شهر أبريل الماضي. ومن جهتها، قدّمت السلاسل الفندقية الأخرى توقعات على ذات القدر من التشاؤم.

بالرغم من عدم كون قطر وجهة سياحية تُضاهي الوجهات الرئيسية في أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها، فقد تأثر القطاع السياحي في الدولة نتيجة جائحة كوفيد-19. وتُشير إحصائيات شهر مارس الماضي إلى تدني عدد السياح بنسبة 78%، علماً بأن أرقام شهري أبريل ومايو ستكون حتماً أسوأ بكثير. ومع ترسخ إجراءات الحجر الصحي، سيكون من المثير للاهتمام ملاحظة عدد المطاعم والمنشآت السياحية المحلية التي ستتجاوز الجائحة دون أضرار.

مادة للتفكير

تحتّم استضافة قطر المقبلة لكأس العالم 2022 ضرورة انتعاش قطاع السياحة إلى سابق عهده، والتغلّب على تأثيرات جائحة كوفيد-19. ومن المنتظر توافد ملايين من عشاق كرة القدم إلى قطر لحضور الفعالية الأبرز في عالم الكرة. وسيحتاج القسم الأكبر منهم إلى الإقامة والترفيه خارج ملاعب كرة القدم.

بالتوازي مع الحكومات حول العالم، فقد أطلقت قطر برامج دعم عامة وقروض مدعومة لتقليص التأثير السلبي لتفشي كوفيد-19 على إيرادات الأعمال. ويُمكن للدولة كذلك الاستلهام من الجهود العالمية الرامية لإنعاش قطاع السياحة العالمي. ويشمل ذلك 23 توصية عمل طورتها منظمة السياحة العالمية للأمم المتحدة لتخفيف آثار تفشي كوفيد-19، وتعزيز التعافي، من خلال السياسات الوطنية، وتحقيق المرونة عبر الاستفادة من الدروس المستقاة. 

وفي سياق مشابه، فقد طوّر الاتحاد الأوروبي هيكلية شاملة لإنعاش قطاعه السياحي. ويشمل ذلك استراتيجية للتعافي ومقاربة مشتركة لإزالة عوائق السفر بين الدول الأعضاء. وتتضمن التدابير الإضافية تطوير إجراءات صحة وسلامة مفصّلة في المؤسسات العاملة في قطاع الضيافة ونقل السياح إلى الوجهات السياحية. وفي الحالة الأخيرة، فقد أصدرت اليونان قائمة بالبروتوكولات الخاصة بالسفر البحري ما بين جزرها المتناثرة.

بالنسبة للدول الصغيرة، فقد طوّرت سنغافورة مبادرتين قد تكونان موضع اهتمام في قطر. ويهدف برنامج الشراكة التسويقية إلى تعزيز التعاون وتشجيع التآزر بين أصحاب المصالح في قطاع السياحة بهذه الدولة-المدينة. ولمساعدتهم على تحقيق ذلك، يُتيح هذا البرنامج التمويل اللازم لتكاليف التسويق والتعاون بين المؤسسات المعنية. أما صندوق محتوى القصص، فهو يُشجع مطوري المحتوى المحلي والعالمي على تحرير قصص إيجابية وجذابة حول قطاع السياحة السنغافوري.

تبني خطط العمل الهجينة

ليست هذه المبادرات المذكورة آنفاً الوحيدة من نوعها التي يُمكن لقطر أن تحتذي بها من أجل إنعاش قطاعها السياحي الخامد حالياً. إذ من الممكن اقتباس أفضل الأفكار الواردة في مختلف الجهود العالمية من أجل تطوير خطة عمل هجينة تتخللها مرحلتين متصلتين.

على المدى القصير، تُعنى المرحلة الأولى بتقليص تأثير كوفيد-19 وإعادة إطلاق الأنشطة السياحية بعد تخفيف إجراءات السفر والتباعد الاجتماعي. وعلى غرار سنغافورة، يُمكن لقطر تطوير أنشطة علاقات عامة تُسلط الضوء على كون قطر دولة آمنة وجديرة بالزيارة. ويُمكن أن يتم دعم هذا المسعى من خلال تقديم قسائم سياحية للمسافرين القادمين على متن الخطوط الجوية القطرية إلى قطر كمحطة توقف، وهي مبادرة تُشابه برنامج قسائم السفر في الاتحاد الأوروبي.

وتركز المرحلة الثانية على القضايا الاستراتيجية والهيكلية. وكما تنص مهمة المجلس الوطني للسياحة، يتوجب على الدولة تسريع الجهود لتطوير رؤية واضحة لقطاع السياحة فيها. ويُمكن في هذا الإطار الاستلهام بما فعلته أستراليا لجهة سعيها لتكون "الوجهة الأكثر طلباً وتخليداً للذكريات على الأرض"، أو هدف المغرب الواقعي المتمثل في جعل السياحة محركاً للتنمية. وفي الحالتين، يتوجب على قطر أخذ الرشاقة والمرونة بعين الاعتبار في قطاعها السياحي مستقبلاً. ويتطلب ذلك العمل عن كثب مع أصحاب المصلحة لتحديد التحديات والفرص في تنويع تقديمات قطاع السياحة في الدولة. ولا شك بأن ذلك من شأنه تحصين قطر في وجه التذبذب الذي يسببه التغلغل المحدود في السوق.

لقد كنا هنا من قبل..

والجدير بالذكر أن قطاع السياحة القطري سبق له أن عانى في الماضي. ففي العام 2016، دخل البلاد ما يناهز 3 ملايين سائح، جاءت غالبيتهم من دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى. لكن هذا العدد قد تدنى خلال السنوات القليلة الماضية مع توقف تدفق السياح من دول الحصار. واستناداً إلى إحصائيات جهاز التخطيط والإحصاء القطري، فقد تدنت أرقام القادمين من العالم العربي بنسبة 76% ما بين عاميّ 2016 و2019.

تمثلت استجابة دولة قطر في صياغة استراتيجية لتنويع مصدر السياح ودخول أسواق سياحية جديدة. ومن هنا، وبعد الحصار الجائر مباشرة، أتاحت الدولة للقادمين من 80 دولة مختلفة إمكانية الدخول دون تأشيرة سياحية إلى قطر. وتم تسريع تطوير متحف قطر الوطني وغيره من الوجهات السياحية. كما تابعت الحملات الترويجية الراقية، على غرار حملة الخطوط الجوية القطرية التي حملت عنوان "العالم كما لم تره من قبل"، تسليط الضوء على تنوع قطاع السياحة المحلي وثرائه. 

لقد ساهمت هذه المبادرات، دون شك، في زيادة عدد السياح القادمين من المناطق الأخرى في العالم بنسبة قدرها 38% بين عامي 2016 و2019. بالإضافة لذلك، فقد ارتفعت الحجوزات الفندقية من 4.97 مليون ليلة في عام 2016 إلى 5.38 مليون ليلة في عام 2018، مما يُشير إلى ازدياد متوسط عدد أيام الإقامة في قطر. وقد استفادت متاحف قطر من المقاربة الجديدة في استقطاب السياح، حيث ازداد عدد الزوار من 477 ألفاً في 2016 إلى 597 ألفاً خلال عامين فقط. واستناداً إلى إحصائيات منظمة السياحة العالمية للأمم المتحدة، فقد حقق قطاع السياحة القطري إيرادات بلغت 5.6 مليار دولار في عام 2018، بالرغم من التأثير السلبي للحصار.

توفر استجابة قطر للحصار الجائر نظرة معمقة حول كيفية استرجاع السياحة لدورها الاقتصادي بعد مرور عاصفة كوفيد-19. ويتوجب على قطاعات السياحة حول العالم العمل، بسرعة وحزم، بمجرد العودة إلى نمط الحياة الطبيعية. ويجب أن تُسلط الحملات الإعلانية الإبداعية، والمنفذة بشكل جيد، الضوء على ما يجعل الدولة أو المنتجع أو المعلم السياحي مكاناً لا يُفوت. كما أن التنوع والسلامة والمرونة ستكون في صلب الاستراتيجيات السياحية مستقبلاً.

الحسين كرباش هو أستاذ في قسم الإدارة الهندسية وعلوم القرار في كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة.

باهادير ياديكار هو طالب دكتوراه في قسم الإدارة الهندسية وعلوم القرار في كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة.     

ملاحظة:
هذا المقال مقدَّم من إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة نيابةً عن الكاتب. والآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.

 

Hamad Bin Khalifa University
Hamad Bin Khalifa University

أخبار متعلقة

طلاب كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة يحصلون على عدد قياسي من المنح الدراسية المرموقة التي يقدمها الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي

تحتفل كلية العلوم والهندسة في جامعة حمد بن خليفة بالدورة الأكثر نجاحًا لها حتى الآن في برنامج المنح الدراسية لطلاب الدراسات العليا، الذي يقدمه الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، مع حصول 17 طالبًا وطالبةً من طلاب الكلية على منح دراسية من الصندوق.

الخبرات والدروس المستفادة في كليات جامعة حمد بن خليفة مع بدء المرحلة الرابعة من إجراءات رفع القيود

مع دخول دولة قطر، مؤخرًا، المرحلة الرابعة من رفع القيود المفروضة بسبب انتشار فيروس كوفيد-19، تحدثنا مع عمداء الكليات الست في جامعة حمد بن خليفة.