دكتور الطيب بن تريعة

يعيش كل كائن حي على وجه الأرض في بيئةٍ تحاول، بطريقة أو بأخرى، أن تقف ضده: حرارة حارقة، برد قارس، شحّ في المياه، ومفترسات لا ترحم. وعلى امتداد فترات زمنية هائلة، لم ترد الحياة بالقوة الغاشمة، بل بتصاميم أنيقة على هيئة هياكل، وأسطح مميزة، وعمليات تحل المشاكل بكفاءة لافتة وبحد أدنى من الهدر. وتُعدّ المحاكاة الحيوية المجال الذي يدرس هذه الاستراتيجيات الطبيعية ويطرح سؤالًا قد يبدو بسيطًا: ماذا لو اتبعت التكنولوجيا البشرية النهج نفسه؟

وقد شاع استخدام هذا المصطلح بفضل عالمة الأحياء جانين بينيوس في كتابها الصادر عام 1997 بعنوان "المحاكاة الحيوية: ابتكار مستوحى من الطبيعة"، وهو يقدم نهجًا في الابتكار بهدف إيجاد حلول مستدامة من خلال دراسة نماذج الطبيعة، وهياكلها، وعملياتها. ولا يقتصر الأمر على تقليد شكلٍ ما، بل يحث على فهم المبدأ الكامن الذي يجعل الاستراتيجية البيولوجية فعّالة، ويدعو إلى ترجمته إلى تصميم بشري. وتقع المحاكاة الحيوية مع تداخل علم الأحياء، والهندسة، وعلوم المواد، والعمارة والتي لها زخم متزايد كمنهجية بحثية في عالم يبحث بجد عن الحلول المستدامة.

آلية عملها 

تعمل المحاكاة الحيوية على ثلاثة مستويات متميزة: الأول هو الشكل: تبني هيئة أو بنية من الطبيعة لتحسين أداء منتج ما. ومن الأمثلة الكلاسيكية على ذلك قطار "شينكانسن" الياباني السريع، الذي أُعيد تصميم مقدمته لتشبه منقار طائر الرفراف، لتقليل دويّ الاختراق الصوتي وتحسين كفاءة الطاقة. أما المستوى الثاني فهو العملية: تعلّم كيفية تصنيع الكائنات الحية أو تجميعها للأشياء، غالبًا في درجات حرارة الغرفة ومن دون مخلفات ثانوية سامة وإعادة محاكاة المبدأ في المختبر. والمستوى الثالث، وهو الأعمق، هو النظام البيئي، أي تصميم أنظمة كاملة يصبح فيها ناتج عملية ما مدخلًا لعملية أخرى، وذلك محاكاةً للمنطق الدائري المغلق الذي تحافظ به النظم البيئية الطبيعية على استدامتها.

Monochrome close-up of patterned overlapping scale

إن أكثر ما يميز المحاكاة الحيوية عن الأشكال السابقة من الاستلهام البيولوجي هو أخلاقياتها الواضحة المرتبطة بالاستدامة. فالمختصون في هذا المجال لا يكتفون بمحاكاة الآلية الذكية فحسب؛ بل يتساءلون عمّا إذا كانت التكنولوجيا المطورة تعمل ضمن الحدود البيئية للكوكب؛ فالطبيعة تعمل بالطاقة الشمسية، ولا تستخدم إلا ما تحتاجه، وتعيد تدوير كل شيء. وهذه هي بالضبط المبادئ التي يسعى الاقتصاد الدائري إلى ترسيخها في المجتمع الحديث؛ وعليه، لا تُعدّ المحاكاة الحيوية مجرد أداة للابتكار، بل فلسفة تصميمية تتماشى مع صحة وسلامة الكوكب على المدى الطويل.

من المختبر إلى العالم الواقعي

تحقق المحاكاة الحيوية بالفعل نتائج ملموسة عبر المجالات المتنوعة، فقد لاحظ الباحثون في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الكلاب تتفوق باستمرار على أجهزة الكشف التقليدية عن المتفجرات في المطارات. واستجابة لذلك، طوّروا نموذجًا مطبوعًا بتقنية ثلاثية الأبعاد لأنف الكلب، مما زاد من حساسية جهاز كشف المتفجرات التجاري بنسبة ستة عشر ضعفًا.

مستلهمين من التكيّف الفريد للجِمال، حيث يعمل الفراء العازل والجلد المبرَّد بتناغم للحفاظ على توازن الحرارة، طوّر مهندسو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نظام تبريد ثنائي الطبقات يعمل بدون طاقة، ويتكوّن من مادتي الهيدروجيل والأيروجيل، قادر على خفض درجة حرارة الأجسام إلى أكثر من 7 درجات مئوية عن البيئة المحيطة لأكثر من ثمانية أيام، أي ما يعادل خمسة أضعاف كفاءة الهيدروجيل وحده. وفي الوقت نفسه، تعمل الممرات الأنفية للجِمال كمبادل حراري ومائي سلبي يعتمد على آلية التدفق المعاكس، ما يمكّنها من استعادة ما يصل إلى 60% من رطوبة الزفير. ويجري حاليًا توظيف هذه الهندسة الحيوية في تطوير تقنيات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء، وإزالة الرطوبة، وحتى أنظمة حصاد المياه من الهواء.

وفي مجال العمارة، يتم استخدام زجاج أورنيلوكس، المخصص لحماية الطيور، لعكس الأشعة فوق البنفسجية المستوحى من العناكب التي تنسج خيوطًا تعكس هذه الأشعة في شباكها. ويصبح الزجاج مرئيًا للطيور، بينما يظل شبه شفاف للعين البشرية، مما يقلل من اصطدام الطيور بواجهات المباني بنسبة تصل إلى 90%. وتشمل الابتكارات الحديثة تطوير روبوت إكس بنغ البشري المصنوع من الحديد، والذي يتميز بعمود فقري وعضلات حيوية وجلد صناعي مرن يتيح حركة تشبه حركة الإنسان وتتجاوز بكثير الأطر الميكانيكية الصلبة. ومن المخطط بدء إنتاجه تجاريًا في عام 2026.

تصميم يوائم طبيعة دولة قطر

أما على الصعيد المحلي، تبنّت دولة قطر التصميم المتمحور حول بيئتها، حيث تم استلهام شكل متحف قطر الوطني من بلورات الجبس المعروفة باسم وردة الصحراء، ويتكون المتحف من 539 عنصرًا قرصيًا متداخلًا توفر ساحات مظللة تعمل حول المبنى لمواءمة مناخ الدولة القاحل. كما استوحي مشروع مشيرب، أول مشروع في العالم لإعادة تطوير وسط مدينة مستدام، من العمارة الخليجية التقليدية: شوارع مصممة لالتقاط نسمات البحر، وجدران أكثر سمكًا لتوفير الكتلة الحرارية، ومباني سكنية تخلق ممرات تهوية طبيعية، لخفض معدلات استهلاك الطاقة بنسبة 30%.

وتُعد هذه الإنجازات في غاية الأهمية، ولكن لا تزال هناك فرصة للتحسين من خلال الاستثمار في البحوث المحلية المتخصصة في المحاكاة الحيوية، لدراسة كيفية تكيف الكائنات الحية والنظم البيئية في شبه الجزيرة العربية مع الحرارة الشديدة، والرطوبة الساحلية، والملوحة، وترجمة هذه الرؤى البيولوجية إلى تقنيات مصممة خصيصًا لهذه المنطقة.

وأما في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة التابع لجامعة حمد بن خليفة، يستمر العمل نحو هذا التوجه. وتستند بعض مسارات البحوث إلى البنية الدقيقة لجلد أسماك القرش، حيث تقاوم مساماته الجلدية الملوثات الحيوية بشكل طبيعي، بهدف تطوير طلاءات تعزز من كفاءة وأداء أغشية أنابيب تحلية المياه. ويجري حالياً تطوير هذا النهج من خلال مشاركة المعهد في مسابقة (إكس برايز للحد من ندرة المياه)، وهي مبادرة عالمية تركز على تطوير حلول مبتكرة وقابلة للتطوير في هذا المجال. كما تبحث مبادرة أخرى في التعديلات السطحية الخاصة بالمنطقة لمكافحة تراكم الأوساخ على الألواح الشمسية، إذ تتميز الصحراء الساحلية في دولة قطر، بمزيج من الرطوبة العالية والأملاح المحمولة جوًا، مما يتسبب في خلق نمط من التلوث السطحي يختلف عن باقي المناطق القاحلة الداخلية. ومن ثم، يجب أن تأخذ هندسة الأسطح المستوحاة من الطبيعة هذه الخصوصية بعين الاعتبار لتصبح أكثر فاعلية.

Dragonfly wing with water droplets on blue background

إطار عمل للمستقبل

لا تعتبر المحاكاة الحيوية حلًا سحريًا لتحويل المبدأ البيولوجي إلى تكنولوجيا قابلة للتوسع، ولكنها كإطار بحثي عادة ما تقدم نهجًا تفتقر إليه الأساليب الحاسوبية البحتة، ولكنها تعد نقطة انطلاق أثبتت فعاليتها بالفعل في ظل الظروف البيئية الصعبة. كما تعمل الأدوات الجديدة على جعل هذا الإطار أكثر كفاءة، إذ يمكن لتقنيات التصنيع النانوي اليوم محاكاة الهياكل البيولوجية بدقة متزايدة، بالمثل كما تسرع النماذج اللغوية الكبيرة عملية فحص قواعد البيانات البيولوجية للبحث عن النظائر المتماثلة هندسيًا. وفي معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، تقوم منصة ThinQa بتوليد هياكل ثلاثية الأبعاد باستخدام معادلات رياضية، كثير منها يوجد بشكل أنيق في الطبيعة، وتكون جاهزة للتعديل والطباعة ثلاثية الأبعاد مباشرة، مما يقلل الفترة الزمنية اللازمة لتحويل الفكرة إلى نموذج أولي قابل للتقييم من اشهر لايام.

وبالنسبة للمجتمعات التي تسعى إلى تحقيق أهداف طموحة في مجال الاستدامة، تُقدم المحاكاة الحيوية إعادة صياغة قوية لتحديات الابتكار، فبدلًا من الاكتفاء بسؤال: ماذا يمكننا أن نبتكر؟، تدعونا إلى التفكير في: ما الذي تم إتقانه بالفعل في العالم الطبيعي، وماذا يمكن أن نتعلم من ذلك؟ والإجابات ليست بعيدة أو غريبة، بل تكمن في ملمس جلد سمكة القرش، والديناميكا الهوائية لنَفَس الجمال، والهندسة البلورية لوردة الصحراء. ومهمتنا وفرصتنا الأساسية تكمن في إدراك ذلك. 

* الدكتور الطيب بن تريعة، العالِم في وحدة المواد بمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة التابع لجامعة حمد بن خليفة.


معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة بجامعة حمد بن خليفة يتأهل للمشاركة بمسابقة إكس برايز للحد من ندرة المياه

05 أكتوبر 2025
لقراءة المزيد

الزراعة الذكية في قطر: تسخير التكنولوجيا لتعزيز الإنتاج الغذائي في البيئات القاحلة

29 سبتمبر 2025
لقراءة المزيد

تحسين سلاسل الإمداد الغذائي في رمضان بالبحوث العلمية والابتكارات

10 مارس 2025
لقراءة المزيد

معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة يحقق الريادة ببراءات اختراع في تحويل الطاقة والطباعة ثلاثية الأبعاد

10 أكتوبر 2024
لقراءة المزيد

حلول مبتكرة لتحصين المناطق الجافة ضد الفيضانات

10 يوليو 2024
لقراءة المزيد

Qatar’s Innovative Solutions for Combating Desertification and Enhancing Sustainability

10 يونيو 2024
لقراءة المزيد

معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة يعزز الابتكار من خلال مشروعٍ رياديٍ للاحتفاظ بالكربون واستخدامه

28 مايو 2024
لقراءة المزيد