يحلّ رمضان هذا العام في فترة يسودها اضطراب اقتصادي فريد، فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة والصراعات الإقليمية تعصف بسلاسل الإمداد العالمية. مما يجعل من الصعب التنبؤ بأسعار السلع الأساسية أمرًا شديدة الصعوبة. والأمر الثابت هو عدم تغير الروتين اليومي الذي يتأثر بشدة بالشهر الفضيل، إذ تتم عمليات البيع بالتجزئة خلال فترات زمنية محدودة، وتقتصر الأنشطة التجارية على الفترة المسائية، حيث يصبح إعداد الطعام أكثر صعوبة، بل وغالبًا ما يشهد إهدارًا كبيرًا للطعام.
وإلى جانب المشهد العالمي المذكور أعلاه، تُؤدي هذه العادات السلوكية إلى تحويل شهر رمضان إلى اختبار لمدى كفاءة وسلوكيات الاستهلاك داخل المجتمع. وليس من المستغرب أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا داعمًا متزايد الأهمية في فهم الاتجاهات والأنماط الرئيسية خلال هذا الشهر الذي يتسم بالصيام والصلاة والتأمل.
الوفرة وتجنب الهدر
لطالما ارتبط شهر رمضان بزيادة أصناف الطعام في المنازل وكرم الضيافة؛ وبالرغم من حث ديننا الحنيف على الاعتدال، فإن ثقافة الموائد الفاخرة، وشراء الأغذية بكميات كبيرة، وغيرها من العادات التي تتسبب في هدر كميات كبيرة من الطعام، لا تزال هي الشائعة. وينطوي على الإسراف تداعيات أخلاقية واقتصادية كبيرة، حيث يُقدّر البنك الدولي أن أكثر من 150 مليون طن من الغذاء يُهدر سنويًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويرجح أن نسبة الطعام المهدور تصل إلى 50%، وهذه إحصائية مقلقة للغاية. كما تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا إلى أن معدل الهدر الغذائي يرتفع من 25% إلى 50% خلال شهر رمضان.
غير أن الغذاء ليس سوى جزء صغير من القصة، فابتداءً من الملابس والضيافة وحتى السفر والترفيه، تتزايد أنماط الاستهلاك عبر مختلف القطاعات خلال الشهر الفضيل بسبب التجمعات الاجتماعية، وتقاليد تبادل الهدايا، والأنشطة المسائية. ويكلف سوء إدارة النفايات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 60 مليار دولار سنويًا، ويتسبب ذلك في استنزاف الموارد، وزيادة الضغط على مكبات النفايات، وارتفاع الانبعاثات غير الضرورية للغازات الدفيئة.
الذكاء الاصطناعي والابتكار والعمل الجماعي
ومع اقتصار عمليات الشراء على فترة ما قبل الإفطار وتحول عمليات التسليم إلى الفترات الليلية، يعمل تجار التجزئة لساعات محدودة فقط، ومع ذلك، فإنه يجب عليهم أن يحافظوا على أفضل معايير الجودة وتوفير منتجات طازجة طوال الشهر الكريم؛ لذا لا ينبغي اعتبار شهر رمضان مجرد حدث تجاري موسمي، فهو اختبار حقيقي لقياس قدرة التنسيق الاقتصادي على الصمود. وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي يحتل مكانة متزايدة الأهمية، ففي دول مجلس التعاون الخليجي، يقوم كبار مزودي الخدمات اللوجستية وتجار التجزئة باستخدام نماذج التعلم الآلي لتحليل بيانات المعاملات، وبرامج الولاء، والتفاعل الرقمي في الوقت الفعلي.
كما يساهم التنبؤ القائم على الذكاء الاصطناعي في تقليل التلف الناتج عن فائض المخزون، ويحسن مسارات التسليم، ويوائم العمليات مع أنماط الاستهلاك الفعلية، لدعم الشركات في تحقيق التحسين الاستراتيجي لرأس المال التشغيلي القائم على البيانات، بما يعزز مرونتها واستقرارها المالي. ومع ذلك، فإن الكفاءة التشغيلية ليست وحدها ما يؤثر في السلوك البشري، فإذا كانت الغاية هي استخدام الذكاء الاصطناعي للتأثير على المستهلكين، فحينها يجب تعزيز العادات المستدامة والواعية، بدلًا من الاكتفاء بتقديم التنبؤات.
وتُعد مبادرات وضع الملصقات الكربونية مثالًا على كيفية استخدام شفافية البيانات لتنبيه المستهلكين إلى الأثر البيئي لخياراتهم. ويمكن للمنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي اقتراح وجبات غذائية متوازنة، أو تقديم تذكيرات بالمشتريات السابقة، أو تثبيط عمليات الشراء المفرط للسلع القابلة للتلف، إذ إن توظيف التكنولوجيا لحث الناس على الاعتدال وترك الإسراف يتوافق مع الجوهر الأخلاقي لشهر رمضان المبارك.
ولاشك أن دمج شهر رمضان الفضيل، وسلوك المستهلكين، والذكاء الاصطناعي يكشف عن رؤى في غاية الاهمية، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تقوي النوايا البشرية، فهي قد تعزز الهدر واللامبالاة، أو تدعو للانضباط والمراعاة. وفي حال تم استخدامه بمسؤولية، فإنه يمكن للذكاء الآلي أن يجعل الأنظمة أكثر كفاءة، ويقلل الهدر، ويكشف عن أنماط خفية تساعد الأسر، والشركات، والحكومات على اتخاذ قرارات أفضل؛ ولكن لتحقيق ذلك يتعين إدراك أن التكنولوجيا ليست بديلًا للقيم ويجب استخدامها ضمن إطار أخلاقي من أجل بناء مجتمعات آمنة، ومزدهرة، وصحية.
* هذا المقال من تأليف الدكتورة أمنية حسن عبد السلام، الأستاذ في التمويل الأخلاقي والتنمية المستدامة بكلية الاقتصاد والإدارة في جامعة حمد بن خليفة.