التواصل بين الثقافات واللغات في زمن الكورونا. جامعة حمد بن خليفة
Hamad Bin Khalifa University

الأخبار

التواصل بين الثقافات واللغات في زمن الكورونا

29 مارس 2020

مازن الفرحان

التواصل بين الثقافات واللغات في زمن الكورونا

تحتاج مرافق الرعاية الصحية بدولة قطر، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى خدمات ترجمية ولغوية سليمة ودقيقة. ومن حُسن الطالع أن المترجمين التحريريين والشفويين العاملين في قطاع الصحة تكيّفوا بسرعة مع التحديات اللغوية والثقافية التي فرضها فيروس كورونا (كوفيد-19)، وذلك بفضل العون الذي قدّمه معهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة. 

ففي حين يرابط الأطباء والممرضات وأخصائيو الرعاية الصحية في خط الدفاع الأول بوجه فيروس كورونا (كوفيد-19)، فإنهم يستمدون الدعم والمدد من آلاف الخبراء الآخرين، كل في مجال اختصاصه. ومن هؤلاء محترفو الترجمة التحريرية والشفوية، وهما مهنتان تسبقان في أهميتهما لاستدامة الخدمات العامة وتقديمها وحُسن سيرها التحدياتِ الناشئة التي تشهدها الساحة الدولية في يومنا هذا. وقد تضافرت هاتان المهنتان، بفضل برامج التأهيل والتدريب التي يقدمها معهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة، بسلاسة مع حزمة الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى ضمان صحة وسلامة المواطنين والمقيمين وإطلاعهم على كل ما يتصل بذلك من تطورات أو محاذير.

وبالرغم من التطورات الأخيرة، ما زال المترجمون والأخصائيون اللغويون يعملون على قدمٍ وساق في قطاع الرعاية الصحية القطري، إذ بصرف النظر عمّا يحمله فيروس كورونا من تحدياتٍ لنا جميعًا، فإن هناك أسقامًا وعللاً أخرى يعانيها الناس، وتشتدّ معها الحاجة إلى خدمات الترجمة التحريرية والشفوية بكل أشكالها وصنوفها. ويعني هذا أن الحاجة لخدماتٍ لغوية متقنة وسليمة في مرافق مؤسسة حمد الطبية، وغيرها من مؤسسات، تظلّ قائمةً دونما انقطاع. غير أنّ فيروس كورونا المستجد فرض تغييراتٍ على حجم العمل وطبيعته، ما زاد ولا ريب من وتيرة الحاجة لنقل الرسائل والمعلومات بين القائمين على الجانب الطبي والمرضى والأفراد داخل الحجر الصحي، لا سيّما فيما يتعلق بالعلاج والوقاية.

على الجانب الآخر، يُرجَّح انشغال المترجمين التحريريين والشفويين في الأنشطة الموجّهة للجمهور في دولة قطر، بما في ذلك ترجمة النشرات الخاصة برفع مستوى الوعي تُجاه كوفيد-19 بين أفراد المجتمع. ولمّا كان المجتمع يضمّ عددًا هائلاً من الوافدين، فإن القيام بالأعمال الترجمية يستلزم الإلمام بثنايا اللغات الدارجة والأعراف والتقاليد الثقافية في قارات العالم. وهنا يقوم معهد دراسات الترجمة، بناءً على طلب وزارة الخارجية، بتوفير المترجمين المؤهلين لترجمة النشرات الخاصة بفيروس كوفيد-19 إلى اللغات البنغالية والهندية والنيبالية والسينهالية والأُردية.  

كما تشتد الحاجة في هذه الأوقات إلى الترجمة الفورية الحيّة، وخاصةً في ظلّ النشرات اليومية والمؤتمرات الصحفية التي تعقدها اللجنة العليا لإدارة الأزمات ووزارة الصحة العامة. ويتجاوز دور المترجمين ذلك ليشكل حلقة الوصل الرئيسية بين الوزارات المعنية والجهات الإقليمية الممثِلة لمنظمة الصحة العالمية. 

بصرف النظر عن مكان عملهم حاليًا، فإن عددًا لا بأس به من المترجمين التحريريين والشفويين العاملين في قطاع الرعاية الصحي بدولة قطر قد استفادوا من برامج الدراسات العليا والدورات التدريبية التي تقدمها جامعة حمد بن خليفة. ومن هذه البرامج ماجستير الآداب في دراسات الترجمة بمعهد دراسات الترجمة، وهو برنامج دراسات عليا مدته عامان مصمم لتأهيل المترجمين للعمل في مختلف مؤسسات القطاع العام أو الخاص أو لدى المنظمات الدولية. وقد حاز البرنامج في عام 2014 الاعتماد من جامعة جنيف، فضلاً عن علامة الجودة من كلية الترجمة والترجمة الفورية التابعة لها. وهذا إنما يدلّل على السمعة الطيبة التي يتمتع بها معهد دراسات الترجمة على صعيد تخريج أخصائيين في الترجمة بشقيها التحريري والشفوي وفق أفضل المعايير الدولية. 

كما أطلق المعهد، مؤخرًا، ماجستير الآداب في التواصل بين الثقافات، وهو البرنامج الأول من نوعه في قطر، وفيه يُكَوِّن الطلاب فهمًا أعمق للمشهد متعدد الثقافات دائم التغير، سواءٌ داخل قطر أو خارجها. ويُعنى البرنامج في جانب أساسي منه بثلاثة أنماط للترجمة الفورية في البيئات وأماكن العمل متعددة الثقافات في قطر، بما فيها الترجمة الفورية في قطاع الرعاية الصحية. ويتيح البرنامج كذلك مقررات دراسية اختيارية في التكنولوجيا الرقمية بهدف تحقيق التواصل الفعال بين الثقافات، ومنها نظامُ النسخ المتقدم الذي طوّره معهد قطر لبحوث الحوسبة، والذي يستخدم تقنيات التعلم المتعمق لتحويل الكلام الشفهي إلى نصوص. 

ومن البرامج الأخرى المفيدة التي يقدمها معهد دراسات الترجمة الدوراتُ التدريبية المتخصصة التي تفيد أخصائيي الترجمة واللغات العاملين في مؤسسات الرعاية الصحية بالبلاد. ومن جملتِها الدوراتُ الخاصة بالترجمة التحريرية والفورية للمحتوى الطبي والصحي، حيث يتفرع التدريب إلى أربع شعب: أولاً، الأمراض والاضطرابات، ومصطلحات التشريح وموارد الترجمة الطبية؛ ثانيًا، الطب السريري والفحوصات التشخيصية والعلاجات، مع تركيز خاص على ترجمة تقارير الصور الطبية والتشريح المرضي (الباثولوجيا)؛ ثالثًا، الطب الشرعي وطب السموم، مع التركيز على ترجمة التقارير الطبية القانونية؛ رابعًا، ترجمة التقارير الصحية العامة والكتيبات الطبية ونشرات المعلومات الموجّهة للمرضى.

ومما يجعل ورش العمل التخصصية في مجال الطب والصحة أكثر موثوقية قيامُ مدربين عليها، ممن جمعوا بين الأستاذية في الترجمة والشهادة في الطب؛ فقد أدار إحداها مترجم طبي معتمد يحمل دبلومًا في علم العقاقير السريري وآخر في الخدمات الصحية العامة. كما كان معهد دراسات الترجمة يخطط لعقد برنامج تدريبي قصير في المجال الطبي على يد طبيبٍ مترجم يعمل في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. 

لقد شكّلت استجابة قطر في التصدي لفيروس كوفيد-19 مادةً غنيةً للتفكير الخلاق في أوساط معهد دراسات الترجمة، فالبرامج الحالية التي يقدمها لا تتطرق لحالات الطوارئ المدنية المعقدة أو لخطط الطوارئ للتعامل معها، وهو ما لا بدّ أن يتغير. ولعلّ من حُسن الطالع أن المترجمين التحريريين والشفويين العاملين في قطاع الصحة تكيّفوا بسرعة مع الأوضاع الصعبة التي سادت البلاد مؤخرًا. ولذلك فإن معهد دراسات الترجمة قد عقد العزم في قادم الأيام على تعزيز قدراته في مجال التدريب وتوفير فرص التطور المهني.

ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى حق المرضى في معرفة تطور حالاتهم الطبية وطرق علاجها، وواجب أخصائيي الرعاية الصحية في ذلك. ومثلما أن ذلك حقٌ للمواطنين القطريين، فهو حقٌ للمقيمين على أرض قطر ممن لا يتكلمون العربية أو يحيطون باللغة المحلية الدارجة، وهو ما يزيد الحاجة أكثر من أي وقت مضى لوجود ممارسين محترفين للترجمة التحريرية والشفوية على مستوى عال من التأهيل والتدريب. والأمر سيّان كذلك بالنسبة للمترجمين الفوريين المنخرطين في حملات التوعية التي تقودها وزارة الداخلية والمؤسسات المعنية الأخرى. وفي كلتا الحالتين، يفخر معهد دراسات الترجمة بمساهمته في الجهود التي تبذلها دولة قطر في التصدي لوباء كورونا المستجد.

مازن الفرحان مدرب وأخصائي في تدقيق الترجمة بمعهد دراسات الترجمة التابع لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة حمد بن خليفة. 

ملاحظة:
هذا المقال مقدَّم من إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة نيابةً عن الكاتب. والآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.