عقد اجتماعي جديد في ظل أزمة عالمية | جامعة حمد بن خليفة
Hamad Bin Khalifa University

التميز عقد اجتماعي جديد في ظل أزمة عالمية

تفرض الأزمات العالمية الكبرى مثل جائحة كورونا (كوفيد-19) أو تغيّر المناخ مخاطر وتحديات جسيمة أمام الإنسان، ومع ذلك يواكب هذه التحديات فرص متعددة.

بقلم د. ديبورا بروسنان ود. جيمس بوهلاند ود. أندرياس ريتشكيمر 

جاءت جائحة كورونا (كوفيد-19) متزامنة مع توجه عالمي نحو مزيد من السلطوية والتضيق على الحريات المدنية، وهو توجه استمر لبعض الوقت قبل اندلاع هذه الجائحة وتفشي الفيروس بفترة طويلة. ولا تعتبر  التوجهات الشعبوية ونظريات المؤامرة وحملات التضليل والتطرف السياسي اليميني وصعود الحكومات المستبدة ظواهر جديدة. ومع ذلك، فإن تعقيداتها وسرعتها وشدتها واتساع نطاقها لم يسبق له مثيل، حيث أدت بالفعل إلى تدهور كبير في شرعية الحكم، ما من شأنه أن يهدد أساس الحضارة الإنسانية الحديثة.

وفي خضم هذه المأساة التي تتكشف بمرور الوقت، قادتنا جائحة كوفد-19 إلى فصل جديد، إن لم يكن هو نفسه ذروة هذه المأساة، فيبدو أنه يحفز ويعجل التوجهات الموجودة مسبقًا نحو إبطال العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الديمقراطيات الليبرالية وغيرها من أشكال الحكم الرشيد.

فشل اليمين المتطرف في أوروبا في الاستفادة من جائحة كوفيد-19

يثير هذا الأمر سؤالاً مهمًا حول ما إذا كان العقد الاجتماعي الذي يقع في لب أي شكل من أشكال الحكم مهددًا خلال فترات الأزمات، مثل جائحة كوفيد-19، أو تغيّر المناخ على مستوى العالم. وقد تكون الجائحة الحالية على هذا النحو مفيدةً في الكشف عما إذا كانت مبادئ الشرعية والديمقراطية ستكون محاصرة في حال تفاقمت تداعيات تغير المناخ، أو بشكل عام، هل توفر التهديدات الوجودية مبررات عقلانية، أو حتى شرعية، لمخالفة العقد الاجتماعي الضمني والمتواجد منذ أمد بعيد بين المواطنين وحكوماتهم في الدول الدستورية؟ وهل يمكننا توقع حدوث انزلاق نحو تيارات أكثر استبدادية ضمن الديمقراطيات الدستورية الحالية بينما التهديدات المستقبلية تتجه لتكون حقيقة واقعية؟ هذه الأسئلة عالمية ولكنها جاءت في الوقت المناسب مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية بصفة خاصة. 

التحول نحو اليمين المتطرف

بدأ الانجراف العالمي نحو السلطوية منذ أن أعلن فوكوياما "نهاية التاريخ" بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي. وكان التحول إلى الحكم الاستبدادي على مدار التاريخ يتم عادةً عن طريق وقوع انقلابات أو حدوث ثورات، في حين أن التحول المعاصر إلى حكم أكثر استبدادية قد حدث بشكل تدريجي وداخل الديمقراطيات الليبرالية. في الواقع، فإن العديد من الركائز المؤسسية للشرعية والديمقراطية، مثل حرية التعبير والصحافة، والانتخابات النزيهة، وأنظمة العدالة المستقلة وغير المسيسة، والحريات الشخصية، تُهاجم اليوم باعتبارها غير ضرورية، أو أنها تأتي بنتائج عكسية، وأنها بقايا نظام يجب أن يتغير كما كان واقع الحال في ألمانيا عام 1933. 

وقد شهد العقدان الماضيان تحولاً نحو اليمين المتطرف من خلال اقتران مصيري بين النزعات الاستبدادية والشعبوية والتيارات المناهضة للعلم، وهما ظاهرتان أخريان شهدتهما بدايات القرن الحادي والعشرين. وكان لهذا الاندماج عدد كبير من التبعات المترتبة على استجابات الدول لهذه الجائحة، وجاءت الاستجابة لتداعيات تغير المناخ لا تدعو  إلى التفاؤل.

وكما أشرنا في مقالة رأي سابقة، فقد ساهم هذا الاندماج في رفض "الحقائق" العلمية أو قبولها بشكل انتقائي، مما يزيد من ارتباك تدابير الصحة العامة التي تتخذها الحكومات، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والبرازيل. كما أدت النزعات القومية المرتبطة بالشعبوية إلى دق إسفين في الجهود المبذولة لبناء عمل جماعي عالمي لمواجهة جائحة كوفيد-19.

وقد أدى غياب الثقة في المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، أو الائتلافات العالمية المبرمة من أجل التوصل إلى لقاح للفيروس، إلى خلق استجابة عالمية متشرزمة في مواجهة الجائحة. وأخيرًا، تشجع هذه الشعبوية ذهنية "نحن في مواجهة الآخرين" عندما يكون المطلوب هو العكس تمامًا في معالجة جائحة ما، أو مواجهة أي تهديد وجودي يتعرض له العالم، أي ضرورة التضامن والتعاون القائمين على الثقة المتبادلة، وليس على أساس الفوائد التجارية.

ليس من السهل تحديد ما إذا كانت الأنظمة الديمقراطية أو السلطوية أو المختلطة تستجيب بشكل أكثر فاعلية لجائحة كوفيد-19، لأن القليل من النماذج "النقية" ما يزال باقيًا. واليوم، لا يكون تصنيف نظام ما بطريقة ثنائية، لأن التوصيف بين "ديمقراطي" و"سلطوي" غير واضح بدرجة كبيرة. ويبدو أن بعض البلدان قد انحرفت مؤخرًا عن الحكم الديمقراطي نحو حكم أكثر سلطويةً، وفي بعض الحالات، حكم مناهض للديمقراطية.

وعلى الرغم من عدم وجود بيانات تجريبية، سجلت دراسة حديثة أجريت على فحوصات كوفيد-19 لكل 1,000 شخص أن كلا من البلدان الأوروبية المختارة، وكذلك دول مثل قطر والبحرين أظهرت مستويات عالية من الأداء. وقد يكون الأداء الضعيف لبعض الدول "الديمقراطية" مثل الولايات المتحدة والبرازيل لأنه، كما يشير إيفان كراستيف في مقال نشر مؤخرًا في صحيفة "نيويورك تايمز"، لم يتمكن الرئيس ترامب والرئيس بولسونارو من توسيع سلطاتهما خلال جائحة كوفيد-19، لأنهما لم يوظفا الخوف من الجائحة بطرق استخدماها في سياقات أخرى، مثل الهجرة والاضطرابات السياسية. وفي كلتا الدولتين، يُنظر إلى هذه الجائحة على أنها تهديد يوظف للحفاظ على قاعدتهما السياسية أكثر من أي تهديد يواجه الصحة العامة.

الاستجابة الملائمة

تتطلب الاستجابة للأحداث الكارثية مثل الجائحة الحالية، أو إعصار كاترينا، أو زلزال لشبونة، أو حرائق الغابات في كاليفورنيا قيادة تنفيذية قوية، وارتداء الأقنعة، وسد الثغرات، وإخلاء الأحياء إذا لزم الأمر، وما إلى ذلك، ما من شأنه أن ينقذ الأرواح. إذًا، أين الخط الرابط بين الإجراءات التنفيذية القوية والحكم الاستبدادي؟ إن نقطة التحول على طول هذا الخط تظهر عندما يتم خرق أسس العقد الاجتماعي.

من الممكن أن يكون هناك سلطة تنفيذية خلال هذه الأحداث المُربكة تُسهل ميل الحكومة لتوسيع صلاحيتها بطريقة غير شرعية. وقد حصلت ألمانيا في استجابتها لـجائحة كوفيد-19 على الكثير من الإشادة، حيث جاءت هذه الاستجابة بشكل لامركزي مدهش وقادتها الولايات والمقاطعات الفيدرالية. لا شك أن تهدئة المخاوف من الاستبداد الزاحف تتطلب فحص سلوكيات الحكومات تجاه هذه الأزمات باستمرار وعلى أساس سبعة معايير سياسية أساسية: 

  • ضرورة أن تكون السلطة التنفيذية شفافة وتستند إلى عقد اجتماعي ومسؤولة عن النتائج النهائية.
  • ضرورة التعاون المتفق عليه بشكل متبادل بين مختلف موازين الحكم، وصنع القرار، والجوانب الوطنية والقومية والإقليمية والمحلية.
  • استخدام أنظمة المحاكم، ووسائل الإعلام الاستقصائية غير المتحيزة، والمنظمات غير الحكومية لرصد وكشف ومنع الإجراءات والقرارات المتخذة فقط لتأمين المكاسب السياسية وإرساء قواعد الحكم السلطوي.
  • إنشاء آليات للمدخلات الفعالة من مجموعات شرعية مشكَّلَة من مواطني الدولة، مثل المجالس الوطنية، والمنظمات غير الربحية، مثل الهلال الأحمر، والجمعيات الدينية، وجمعيات الأحياء؛ لخلق مشاركة ديمقراطية تساهم في بناء القدرة على الصمود والمرونة.
  • التعرف على التفاوتات والظلم في كيفية تأثر المجموعات المتنوعة أو الأفراد بقرارات القيادة وإجراء التعديلات المناسبة لضمان التوزيع العادل للموارد المتاحة.
  • الاعتماد على مصادر موثوقة للمعلومات والمعارف المستندة إلى الأدلة في جميع عمليات صنع القرار، والتنصل الأكيد من المعلومات غير الصحيحة والمتحيزة.
  • الإقرار بأن الدعم العالمي يمكن وينبغي ربطه بالشبكات لتخفيف حدة الأزمات. ويجب بناء هذه الشبكات على أساس الاحترام المتبادل والمصالح، وليس على أساس المكاسب الناتجة عن المعاملات.

عقد اجتماعي جديد

تفرض الأزمات العالمية الكبرى، مثل جائحة كوفيد-19 أو تغير المناخ، مخاطر وتحديات هائلة أمام البشرية، ويواكبها في نفس الوقت فرص يتعين الاستفادة منها. وهذا هو الوقت المناسب لتجديد تصور العقد الاجتماعي، أو ما يعرف باتفاق يعقد بين الجميع ومع الجميع من أجل حماية وتحقيق الصالح العام، على أساس مبادئ الحقيقة والمساواة والمسؤولية المشتركة والتضامن والشرعية. إن مفهوم العقد الاجتماعي أمر أساسي في الحكم. ومع ذلك، يرى البعض أنه مفهوم قديم، ولا يتوافق مع الأيديولوجية الليبرالية الحديثة، حيث تكون الشروط التعاقدية هي معاملات متبادلة بطبيعتها. ومع ذلك، فإن العلاقات بين المواطنين والحكومات التي تحافظ على المبادئ المشرعة والديمقراطية خلال أوقات الأزمات، سواء كانت جائحة أو مخاطر مرتبطة بظاهرة تغيّر المناخ، تتطلب فهم "الرابط" الذي يجمعنا معًا كأمم. ويعتمد الكثير من الحلول على قدرتنا على إعادة تأسيس ذلك "الرابط" وترسيخه. وإذا نجحنا في ذلك، فستكون النتيجة بناء مجتمع أكثر مرونة، أما إذا فشلنا، فسوف تسود الفوضى.

كتبه:
الدكتورة ديبورا بروسنان رئيس ومؤسس ديبورا بروسنان وشركائها للحلول البيئية وأستاذ مساعد في العلوم البيولوجية بجامعة فرجينيا للتقنية.
البروفيسور جيمس بوهلاند أستاذ فخري بكلية الشؤون العامة والدولية بجامعة فرجينيا للتقنية.
البروفيسور أندرياس ريتشكيمر أستاذ السياسة العامة بجامعة حمد بن خليفة، قطر ، وأستاذ منتسب للأبعاد البشرية للموارد الطبيعية بجامعة ولاية كولورادو.
 

Hamad Bin Khalifa University

أخبار متعلقة

كلية السياسات العامة تشارك في منتدى لمناهضة التطرف

يعيش العالم مرحلة استثنائية في ظل الظروف الحالية والمستمرة. ونظرًا لتطوّر السياق العالمي بوتيرة متسارعة، أدت جائحة كورونا (كوفيد-19) إلى صعود التطرف والعنف، وأوجدت حالة من الديناميكيات الصعبة، مثل التوترات الدينية والعرقية، وقضايا الصحة العقلية، والعنف الأسري، وكلها قضايا تحتاج إلى معالجة.

كلية السياسات العامة تشارك في مبادرة تصميم لما بعد كوفيد

شارك الدكتور ليزلي ألكسندر بال، عميد كلية السياسات العامة، في الترحيب بالحضور القادمين من حول العالم، خلال إطلاق فعالية "تصميم إنسانية ما بعد كوفيد-19"، التي عقدّت في 2 نوفمبر 2020.