تأثير تنوع الجينوم الفيروسي والخلايا المضيفة على كوفيد-19
Hamad Bin Khalifa University

التميز تأثير تنوع الجينوم الفيروسي والخلايا المضيفة على كوفيد-19

رؤية مقدمة من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي

يتكوّن الجينوم البشري بأكمله من 6.4 مليار من النوكليوتيدات، وهي وحدات أساسية تشكل بناء الحمض النووي الريبوزي، ويُعبر عنها بالأحرف "A" و"T" و"C" و"G". بالمقارنة، فإن جينوم فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة النوع 2 (سارس-كوف-2) يُعتبر أصغر بكثير، حيث يحتوي على 000,29 فقط من النوكليوتيدات. في حلقة هذا الأسبوع، يناقش خبراء من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي كيف يمكن أن يحدد التباين في الخلايا البشرية المضيفة، وتسلسل الجينوم الفيروسي، مدى خطورة وشدة الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد-19).

تحور فيروس كورونا 

يمثل التحور والتغيرات الحادثة في التسلسل الجيني جزءًا طبيعيًا من دورة حياة الفيروس. وفي حين يحدث التحور بشكل عشوائي، وينتقل هذا التحور وراثيًا لجميع سلالات الجيل التالي من الفيروس، نادرًا ما يؤثر ذلك على تفشي الوباء. وبينما تحدث بعض طفرات هذا التحور بشكل "صامت"، وربما لا تؤثر على علم الأحياء الفيروسي، إلا أن البعض الآخر قد يؤثر بشكل مباشر على بنية الفيروس، وبالتالي، يكون لها تبعات بيولوجية على العدوى الفيروسية أو معدلات تكاثر الفيروس.

يتطور فيروس سارس-كوف-2، وهو فيروس الحمض النووي الريبوزي المسؤول عن جائحة  كوفيد-19، أيضًا من خلال هذه الطفرات التحورية. وتساعدنا معرفة معدل التحور في سارس-كوف-2 على الإجابة عن الأسئلة الرئيسية مثل: ما مدى سرعة حدوث هذه الطفرات التحورية؟ أو أين تحدث في البُنية الجينية بالتحديد؟

تُعد هذه المعلومات مهمة لتصميم عقار فعال يمكن أن يعالج المرضى. على صعيد آخر، شهد العالم مبادرات متعددة لمشاركة تركيبة الجينوم الفيروسي، الذي سيساعد العلماء في جميع أنحاء العالم على استنتاج تاريخ تطور سارس-كوف-2 في الوقت الحقيقي.

تأتي "المبادرة العالمية لمشاركة جميع بيانات الإنفلونزا" وبرنامج "نكست سترين" في طليعة جهود تحليل وتتبع تطور كوفيد-19، حيث توفر أنظمة التتبع هذه معلومات واسعة النطاق حول موجات تفشي الفيروس المختلفة التي تجتاح المجتمع، ما يساعد في نهاية المطاف قطاع الرعاية الصحية على احتواء انتشار الفيروس.

ولفهم وتتبع طفرات سارس-كوف-2، فإن تقييم معدل التحور يعتبر من الأمور غاية في الأهمية. وبشكل عام، يتراوح معدل الطفرات التحورية المقدرة في الفيروسات التاجية ما بين طفرات معتدلة إلى أخرى عالية، مقارنة بفيروسات الحمض النووي الريبوزي الأخرى أحادية السلسلة. واستنادًا إلى البيانات الحالية، يبدو أن سارس-كوف-2 يتحور بمعدل أقل من الإنفلونزا الموسمية، حيث يتميز سارس-كوف-2 بمعدل تحور أقل من 25 طفرة تحورية في السنة مقارنة بعدد 50 طفرة في السنة فيما يتعلق بالإنفلونزا الموسمية.

يتكوّن الجينوم بأكمله أو المحتوى الجيني لفيروس سارس-كوف-2 من 903,29 من النوكليوتيدات، الفردية أو المجتمعة التي تُشكل التكوين الجيني. وقد اوضح تقرير صدر حديثًا مدى انتشار انتقال تحور النوكليوتيدات الفردية كنوع من الطفرات التحورية الرئيسية في جميع أنحاء العالم، وحدد هذا التقرير ثلاثة أفرع حيوية أو مجموعات تطورية على الأقل تتميز بالخصوصية الجغرافية والجينية. تُسمى هذه المجموعات بمجموعة "G" التي تشمل (أوروبا، وأفريقيا، والأمريكتين، وأوقيانوسيا)، ومجموعة "V" (أوروبا)، ومجموعة "S" (آسيا والأمريكتين)، بناءً على الطفرات التحورية (D614G) أي (البروتين الشوكي)، و(G251V)  (ORF3a) أو L84S (ORF8) التي لوحظت في تسلسل سارس-كوف-2.

وقد حددت دراسة بحثية أخرى ست مجموعات فرعية كبرى من سلالات سارس-كوف-2 التي تمتاز بسمات جغرافية قوية. وتم تصنيف هذه المجموعات على أنها (1) أوروبا-1 بأغلبية من أيسلندا، و(2) أوقيانوسيا / آسيا، بما في ذلك أستراليا والصين، و(3) الأمريكتين بأغلبية من الولايات المتحدة، و(4) أوروبا-2، بما في ذلك بريطانيا العظمى وأيسلندا، و(5) آسيا-1 بأغلبية من الصين، و(6) آسيا-2 بما في ذلك الصين واليابان.

وأشارت دراسة حديثة أخرى حول  سارس-كوف-2 إلى أن بعض التغييرات الجينية يمكن أن تؤثر على خطورة الفيروس وإمكانية انتقاله. وكشفت هذه الدراسة أن أربع طفرات مركبة يمكن أن تزيد من قدرة انتقال الفيروس. وباتت هذه المتغيرات شائعة في أوروبا، حيث بدت عدوى كوفيد-19 أكثر حدة من المناطق الأخرى، وتمركزت في مواقع تشفير الجينوم للبروتينات اللازمة للعدوى الفيروسية وفعالية اللقاح (الشكل 1).

الشكل 1. الأشكال المتعددة للنوكليوتيدات الأحادية أو التباينات الجينية

الشكل 1. الأشكال المتعددة للنوكليوتيدات الأحادية أو التباينات الجينية

يساعد المعدل المرتفع للطفرات التحورية فيروس الإنفلونزا الموسمية في الهروب من اللقاحات، في حين يمنحنا المعدل الأبطأ وبدرجة كبيرة لهذه الطفرات في فيروس سارس-كوف-2 الأمل في تطوير لقاحات طويلة الأمد ضد الفيروس، والوصول إلى العلاج الفعال للمرضى في جميع أنحاء المناطق الجغرافية المختلفة.

وفي دراسة حديثة، ارتبط عبء التحور الفيروسي بشكل إيجابي بمعدل الوفيات لدى مرضى كوفيد-19. علاوة على ذلك، ومع استمرار الطفرات الحالية في التتابع في الوقت والتوسع عالميًا (الشكل 2)، سوف تظهر طفرات تحورية جديدة باستمرار لتزيد من تنوع هذه الطفرات. لذلك، يُعد العزل المستمر وتسلسل الجينوم الفيروسي معيارًا مهمًا في مكافحة الفيروس واحتواء الجائحة، ووضع استراتيجية لتطوير لقاحات وعلاجات مضادة له.

تطور شجرة جينوم كوفيد-19

المصدر: https://nextstrain.org/ncov/global

الشكل (2) شجرة التطور النوعي لسارس-كوف-2.  يمثل الفرع الواقع أقصى يسار الشجرة طفرة تحورية شائعة في جميع التسلسلات المقابلة للسلالة القديمة للفيروس. وتشير الدوائر الملونة إلى الطفرات المتراكمة التي تعرض لها الفيروس بمرور الوقت، في حين توضّح الفروع المضافة إلى اليمين الطفرات الجديدة. ويشير الخط العمودي إلى تسلسلات متطابقة، بينما تشير الألوان إلى الفروع الإقليمية لشجرة تطور الفيروس.

التنميط الجيني كأداة تشخيصية فرعية لكوفيد-19

يُمثل التنميط الجيني أحد التقنيات التي تبحث الاختلافات المحدودة في التسلسل الجيني، المعروفة باسم الأشكال المتعددة للنوكليوتيدات الأحادية، التي يمكن أن تؤدي إلى تباينات جسدية، من شأنها أن تُحدث لدينا تغييرات فريدة وباثولوجية تؤدي إلى الإصابة بالأمراض (الشكل 3). وقد أدى التنميط الجيني للجينوم البشري إلى ظهور مجالات علم الوراثة الدوائي والطب الشخصي، التي تركز على تصميم علاجات فردية وعقاقير تركيبية محددة بناءً على النمط الجيني لكل فرد. كما يسمح التنميط بدراسة الاستعداد الفردي لتطور أمراض معينة، أو درجة شدة المرض، أو مدى الاستجابة للعلاج.

الشكل 3. التنميط الجيني يمكن أن يحدد سماتنا الجينية

الشكل 3. التنميط الجيني يمكن أن يحدد سماتنا الجينية

تتراوح أعراض كوفيد-19 من خفيفة جدًا إلى شديدة. وقد يكون التنميط الجيني مفيدًا في الوصول لفهم أفضل لهذا التباين بين الأفراد في درجة الاستجابة لعدوى سارس-كوف-2. ومن المثير للاهتمام أن الأشكال المتعددة أو التباينات الموجودة في مستضد كريات الدم البيضاء لدى الإنسان، وهو بروتين يتمركز على سطح الخلايا البشرية، يستخدمه نظام الدفاع المناعي للتعرّف على "نفسه" أو الأجسام "الخارجية"، وثبت أنه يلعب دورًا مهمًا في انتشار فيروس كوفيد-19 وشدته.

بالإضافة إلى ذلك، هناك ارتباط بين متغيرات فصيلة الدم والإصابة بكوفيد-19. وقد نُشرت أول دراسة نفذها باحثون في الصين درسوا متغيرًا معينًا (SNP rs505922) في جين (ABO) الذي يحدد فصيلة الدم، واحتمال إصابة الشخص بكوفيد-19.

من جانب آخر، كشف تقرير ثاني تناول إجراء مراكز إيطالية وأسبانية مختلفة دراسة حول الارتباطات الجينومية عن وجود ارتباط بين فصيلة الدم وشدة الإصابة بكوفيد-19. وكشف التحليل التجميعي لحوالي 8.5 مليون من الأشكال المتعددة للنوكليوتيدات الأحادية أن بعض المتغيرات قد تساعد في تحديد حالات كوفيد-19 الشديدة. والأهم من ذلك، وفقًا لهذه الدراسة، فإن الأشخاص من ذوي فصيلة الدم (O) لديهم تأثير وقائي ضد كوفيد-19. وفي الآونة الأخيرة، أفادت شركة (23andMe) المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية التي تقدم خدمة الاختبار الجيني مباشرة للمستهلك، عن نتائج أولية غير منشورة شملت حوالي 000,750 شخص، ما يشير أيضًا إلى أن فصيلة الدم (O) يمكن أن تكون واقية من الإصابة بالفيروس.

من ناحية أخرى، يُعد التنميط الجيني أيضًا منهجية فعالة في تحديد المتغيرات والطفرات التحورية في جينوم الفيروسات، كما أوضحنا سلفًا، في السيطرة على انتشار الجائحة وفي تحديد أصل بؤر العدوى. تكمن أهمية هذه التكنولوجيا في البحوث السريرية اللازمة لتوصيف الجينات المرتبطة بالأمراض في أحد مجالات العلوم، التي يشار إليها غالبًا باسم علم الأوبئة الجزيئي أو علم الأحياء الدقيقة الشرعي.
ويُعد التنميط الجيني للأشكال المتعددة للنوكليوتيدات الأحادية دقيقًا وحساسًا، ومع ذلك، توجد بعض القيود التكنولوجية الحالية، حيث أن جميع اختبارات التنميط الجيني تقريبًا جزئية وتستغرق الكثير من الوقت، وتتضمن عملية متعددة الخطوات. وقد تتغلب دراسات الارتباط الجينومي وتقنيات التسلسل الجماعي، مثل تسلسل الحمض النووي والمصفوفات الدقيقة، على بعض القيود، مما يوفر التنميط الجينومي الكامل وتحديد المتغيرات المستجدة.

المشاركون في هذه الدراسة: 

الطفرات التحورية لسارس-كوف-2: د. نيشانت فايكات (باحث مشارك، معهد قطر لبحوث الطب الحيوي)
التنميط الجيني كأداة تشخيصية فرعية لكوفيد-19: د. سلام سلوم أصفار (باحث ما بعد الدكتوراه، معهد قطر لبحوث الطب الحيوي)
مراجعة النص العربي واعتماده: د. نور مجبور (باحث أول مشارك، معهد قطر لبحوث الطب الحيوي)
المحررون: د. أدفيتي نايك (باحث ما بعد الدكتوراه، معهد قطر لبحوث الطب الحيوي) ود. ألكسندرا باتلر (باحث رئيسي، معهد قطر لبحوث الطب الحيوي)

لتصفح المراجع، يُرجى الضغط هنا.

 

أخبار متعلقة

حالات كورونا عند الأطفال وإدارة المرض لدى مصابي السكري

منذ تفشي جائحة كورونا (كوفيد-19) في وقت مبكر من هذا العام، قام الباحثون وأخصائيو الرعاية الصحية بدراسة مُسببات هذا المرض بشكل مكثف، ومحاولة فهم مخاطر الإصابة به لدى شرائح فرعية من المجتمع.

معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة حمد بن خليفة يؤدي دورًا رئيسيًا في المساعي الرامية لإيجاد لقاح لعلاج مرض باركنسون

تلقت الجهود الطويلة والرامية للتوصل إلى لقاح لعلاج مرض باركنسون دفعة إيجابية بفضل البحوث التي أجراها فريق من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، التابع لجامعة حمد بن خليفة، والتي تُقدم تقنية تشخيصية مبتكرة استُخدمت في سلسلة من التجارب السريرية المُبَشِرة في أوروبا.